م صلاح طه عبيدات يكتب: يسقط الحيتان...يعيش الوطن

م صلاح طه عبيدات يكتب: يسقط الحيتان...يعيش الوطن
نبأ الأردن -
في منتصف رمضان، حين تُضيء الأرواح بنورٍ داخلي يبحث عن السكينة، ينهض الغلاء كظلّ ثقيل يزحف فوق الأسواق.
ترتفع أسعار البندورة والخيار—لا بوصفها سلعاً، بل بوصفها مرآةً تعكس اختلالاً أعمق:
كيف يغدو أبسط ما يحتاجه الإنسان أعسر ما يناله حين تشتد حاجته؟
هل هي لعبة العرض والطلب تمارس برودها الحديدي؟
أم أن التصدير سحب من الأسواق توازنها، تاركاً الناس أمام معادلة لا قلب لها؟
وربما… أن الحقيقة ليست في الاقتصاد وحده، بل في الفلسفة التي تحكم علاقتنا بالربح، وبالآخر، وبحدود الأخلاق حين تُختبر في مواسم الشدة.
في هذه اللحظات التي ينضغط فيها صدر المواطن قبل جيبه،
يبدو الوطن ككائنٍ يبحث عن تعريفه من جديد:
هل هو أرض وحدود، أم هو إنسان يستحق أن يعيش بكرامة؟
وهل الحكومة سلطة تنظم الأسواق، أم ضميرٌ يُفترض أن يقف بين الجشع وضعف الناس؟
جيوب المواطنين—التي صارت تُفتح أكثر مما تُملأ—لم تعد تُنهب، بل تُستنزف ببطءٍ مؤلم،
حتى غدت لامعة من كثرة الفراغ، كأن الزمن ينحتها بلا رحمة.
وفي خلفية المشهد، يقف "الحيتان”:
ليسوا أفراداً بأسمائهم، بل رمزاً لمنظومةٍ تتضخم بلا حدود،
تجعل من قوت الناس سلعةً بلا روح،
ومن الألم فرصةً للربح،
ومن السوق غابةً بلا حارس.
وحين نقول يسقط الحيتان، فنحن نعلن سقوط فكرة:
فكرة أن الإنسان يمكن أن يُختزل في رقم،
وأن السوق يمكن أن يحكم بلا ضمير،
وأن مواسم الرحمة يمكن أن تتحول إلى مواسم اختبارٍ قاسٍ للفقراء.
ربما لو أصغت الأسواق قليلاً إلى أنين الموائد وصمت البيوت المتعبة،
لأدركت أن الرحمة ليست آيةً تُتلى،
بل فعلٌ يُنجَز،
وأن العدل قد يبدأ من ثمن ثمرة،
ومن حقّ المواطن في حياةٍ لا يُمتحن فيها كل يوم بقدرته على الصبر.
فلتسقط الحيتان…
ولتنهض القيم التي تجعل من الوطن وطناً،
ومن الأسواق مكاناً للتبادل، لا للصراع،
ومن حياة الناس… حياةً قابلة للعيش.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions