م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين ضاق الهواء بالكلمات تحت القبة

م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين ضاق الهواء بالكلمات تحت القبة
نبأ الأردن -
في البرلمانات، لا تجلس الكلمات على المقاعد الخشبية فحسب، بل تجلس معها أرواح المدن والقرى البعيدة، ووقع أحلام الناس الذين تشابكت آمالهم حول صناديق الاقتراع، وتشعّبت أحلامهم بأن يصل صوتهم إلى تحت قبة البرلمان. هناك، تحت تلك القبة، تتحول الهمسات التي وُلدت في الأزقة والبيوت إلى جملٍ تُقال، وتتحول الجمل إلى مصير.
فالبرلمان ليس مؤسسة صامتة من حجرٍ وخشب، بل هو الصوت الذي خرج من صدور العشائر والقرى والحواضر، الصوت الذي حملته أيدي الفلاحين الملوّثة بتراب الأرض، وأفكار المهندسين المعلقة بين الحلم والتخطيط، وطباشير المعلمين التي تركت على السبورة آثار المعرفة. إنه صوت المواطن حين يجتمع مع الوطن، وصوت الشعب الذي لا ينبغي له أن يخفت.
لكن ما إن تُمسّ حرية التعبير في البرلمان، حتى يحدث شيء خفي يشبه انطفاء مصباحٍ في بيتٍ كبير. لا يلاحظ الناس الظلام في اللحظة الأولى، لكنهم يشعرون بأن شيئًا ما في الهواء قد تغيّر.
فالديمقراطية كائنٌ هشّ يشبه طائرًا اعتاد الطيران في فضاء الكلام. فإذا ضاق الهواء حول جناحيه، بدأ الطيران يتباطأ، ثم يتحول التحليق إلى ارتجافٍ صامت.
البرلمان، في حقيقته العميقة، ليس مكانًا للنظام بقدر ما هو مكان للفوضى الجميلة للأفكار. هناك ينبغي للكلمات أن تتصادم كما تتصادم الأمواج، لأن البحر الذي يهدأ كثيرًا يصبح مشبوهًا.
وحين يُمنع صوتٌ من أن يُقال، لا يسقط الصوت وحده، بل تسقط معه حكايات كثيرة جاءت من بعيد: من حقلٍ في الريف، أو متجرٍ صغير في المدينة، أو قلب مواطنٍ ظنّ أن كلمته ستجد طريقها أخيرًا إلى الضوء.
الديمقراطية لا تموت فجأة. إنها تشبه مدينةً قديمة يختفي نورها قليلًا قليلًا. يبدأ الأمر ببابٍ يُغلق أمام كلمة، ثم نافذةٍ تُسدّ في وجه رأي، حتى يكتشف الناس متأخرين أن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُتنفَّس.
وعندها فقط يدرك الجميع أن البرلمان ما عاد بيتًا للكلمات… بل صار غرفةً كبيرة يتعلم فيها الصمت كيف يجلس على المقاعد، بينما يبقى صوت الشعب في الخارج، صابرًا، منتظرًا لحظة يعود فيها الكلام إلى بيته الأول.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions