عبدالهادي راجي المجالي يكتب:الدنجل
نبأ الأردن -
كان لي صديق في أيام الجامعة ، اسمه (الدنجل) ...هو سائق شاحنة وابن ذات الجغرافيا التي ولدت بها ، وهذا بالطبع ليس اسمه الحقيقي ...ولكنه لقب من قبل زملاء له في المهنة بهذا الاسم ، وكما هو معروف في علم (الميكانيكأ) بأن (الدنجل) هو الرافعه التي تحمل عجلات الشاحنه .
(الدنجل) أحبني لأني الوحيد في هذه الدنيا الذي كان ينصت له ، كان يكذب وأنا كنت أسايره كثيرا ...مثلا كان يخبرني عن مهمات خطيرة قام بها وهو في ريعان الشباب ، منها مثلا : قيامه بتحميل سلاح خطر من ميناء العقبه ونقله للعراق أثناء الحرب العراقية الإيرانية ، وأخبرني أن المهمة كانت سرية ..وأنه حين أوصل الحمولة لبغداد ..وجد طه ياسين رمضان بانتظاره وقد كرمه بمسدس ..وضرب على كتفه وقال له : ( عفيه يا الدنجل) ..أنا وقتها غرقت في الصمت وقلت : هل قال لك (دنجل) بالحرف الواحد ..لكنه تراجع وقال لي : ( لا هو بعرفني بينا مزح) ..
استمرت علاقتنا ، كنت مستمعا جيدا له ، وكان يأتي للجامعة ...ويعطيني دروسا في فنون صيد النساء ، مثلا أخبرني عن مهندسة عراقية تعلقت به ، وأرادت الزواج منه ...لكنه قال لها ذات يوم : ( يا بنت الناس وراي اولاد اتركيني في حالي) ..وأنا سألته ماذا حدث بعد أن صدمتها بحقيقة حبك أخبرني بأنها انتحرت ، وما زالت تمثل له جرحا غائرا .
طريقة (الدنجل) في الكذب كانت مشوقة ، كان يجيد فن السرد والوصول للحبكة ، ولكنه أحيانا كان يتعثر في الوصول إلى نهاية مقنعة (للخرطة) ..ويختمها بجملة : ( يا رجل خليها ع الله شو بدنا نحكي أكثر من هيك ) .
مرت الايام وكنت أدون كل كذباته ، وانتظر اللحظات التي يأتي فيها للجامعة باحثا عني ...وذات مرة حتى لا أفوت حديثه كان لدي محاضرة عند الدكتور نصرت عبدالرحمن، فأدخلت (الدنجل) معي قلت في داخلي لن يشك أحد ونصرت لن يلاحظ ...لكن (الدنجل )في خضم المحاضرة أشعل سيجارة ، نسي أنها جامعة ونسي أن المحاضر هو قامة من قامات النقد العربي ...وكانت النتيجة أن طردت أنا و(الدنجل) من المحاضرة ...حين عاتبته في الخارج على فعلته النكراء ضحك بسخرية وقال لي : (بتعرف بمحاضرات كلية الطب بنص الكلية كنت أدخن ..بغداد عادي مو زي هون) ..وحين سألته عن سبب ذهابه لكلية الطب في بغداد أجاب : (صاحبتي اللي حكيتلك عنها كانت تدرس طب) ..الغريب أنه نسي بأنها مهندسة ..هو أخبرني بذلك ..لكن على ما يبدو شلال الكذب لدى الدنجل كان يجعله ينسى .
تخرجت من الجامعة ...وظلت علاقتنا مستمرة ، لكني فوجئت يوما بخبر وفاة (الدنجل) ..حتى وفاته كانت تشبه الكذبة ، لم أصدق أنه سيغادر هكذا دون أن يخطرني ...توفي بحادث شاحنة ، وقيل أنه كان نائما ...نام أثناء المسير فانحرفت القاطرة ...لكني بقيت أحتفظ بكل قصاصات الورق التي دونت عليها بطولات (الدنجل) وسواليفه .
هناك مسؤول ..كلما ظهر على التلفاز ذكرني (بالدنجل) ذات العيون وذات الشوارب ، وذات البدلة ...حتى تجاعيد الوجه متطابقة ، وحتى الصوت ومخارج الحروف ...المشكلة أن هذا المسؤول حتى حين يصدق فهو كاذب ، والمشكلة أنه (سائق تريلا) ...كيف أصبح مسؤولا بهذا الحجم ...؟
لم نعد نعرف الحد الفاصل بين الضحك والبكاء في هذا الوطن ، على كل حال (الدنجل) لم يمت هو حي وموجود في كل المواقع .

























