خليل النظامي يكتب:صحفيون يكرهون الذكاء الاصطناعي لأنهم لا يجيدون التفكير

خليل النظامي يكتب:صحفيون يكرهون الذكاء الاصطناعي لأنهم لا يجيدون التفكير
نبأ الأردن -
بعض الصحفيين القدامى اليوم يتحدثون كثيرا هذه الأيام بنبرة الوصاية،،، وبثقة من يظن أن الزمن توقف عند اللحظة التي تعلموا فيها الكتابة لـ المرة الأولى،، 

تجدهم يجلسون في الزوايا المألوفة نفسها،،، ويكررون العبارات ذاتها،،، ويبدون منزعجين من شيء جديد لم يعودوا يفهمونه،، 

يقولون إن الذكاء الاصطناعي خطر،،، وإنه يهدد المهنة،،، وإن النصوص التي ينتجها بلا روح،، هم يقولون ذلك وكأنهم يملكون وحدهم مفاتيح الروح،،، وكأن الصحافة كانت مزدهرة بفضلهم لا رغما عن أنوفهم،،،

المشكلة لا تبدأ عند الذكاء الاصطناعي ولا تنتهي عنده،، المشكلة أقدم بكثير لكنها لم تكن مكشوفة بهذا الشكل،، فـ لسنوات طويلة عاش بعضهم على تكرار نفسه،،، وعلى الخلط بين الخبر والرأي،،، وعلى نصوص لا تغضب أحدا ولا تضيف شيئا،، وكانوا محميين بزمن بطيء لا يطالب بـ الجودة، ولا يختبر المهارة،،، ولا يسأل عن القيمة،،،
ثم جاء زمن أسرع وأذكى وأقل تسامحا مع الرداءة،،، فانكشف الضعف فجأة،،، وصار الدفاع الأخلاقي آخر ملجأ لهم،،،

فـ حين يقول أحدهم إن الذكاء الاصطناعي بلا روح،،، فهو في الحقيقة يتحدث عن خوفه هو،،، خوفه من أدوات لا تجامل،،، ولا تحترم الأقدمية،،، ولا تعترف بـ الاسم قبل النص،،

أدوات تسألك مباشرة،، ماذا تريد..؟ ولماذا..؟ وبأي لغة..؟ ومن لا يملك إجابة لا يحصل على شيء يذكر،، فـ الذكاء الاصطناعي لا يمنح أفكارا جاهزة،،، بل يفضح من لم يكن لديه أفكار أصلا،،،،

اللافت أن كثيرين ممن يهاجمونه لم يقتربوا منه أصلا،،، ولم يحاولوا فهمه،،، ولم يختبروا آلياته،،، ولم يدركوا أن استخدامه في إنتاج النصوص ليس نسخا أعمى،،، بل ممارسة فكرية معقدة،،، تتطلب وعيا لغويا ومعرفيا أعلى مما اعتادوه،،، فـ هم لا يرفضون الذكاء الاصطناعي لأنهم يعرفونه،،، بل لأن الجهل حين يطول يتحول إلى موقف،،،،

ها هم يتحدثون عن التراث وكأنه نص مقدس لا يجوز الاقتراب منه،،، بينما التراث الحقيقي لـ الصحافة كان دائما في قدرتها على التغير،،، فـ الصحافة التي لا تتطور تموت،،، والصحفي الذي يخاف الأداة لا يحمي المهنة بل يدفنها حية،، والدفاع عن الصحافة لا يكون برفض المستقبل،،، بل بالاستعداد له،،، وبامتلاك المهارة التي تجعل الأداة امتدادا لـ العقل لا بديلا عنه،،

وفي العمق الذكاء الاصطناعي لم يأت ليحل محل الصحفي،،، بل ليضعه أمام سؤال لا مفر منه مضمونه : ماذا ستضيف أنت..!!؟ 

ومن يملك عقل ناقد وخيال واسع وفهم لـ السياق، سيجد في هذه الأداة قوة إضافية،، أما من كان يعيش على التكرار والإنشاء،، فسيشعر بـ التهديد لأن الآلة باتت تفعل ما كان يفعله،،، لكن دون ادعاء ودون تاريخ، ودون الحاجة إلى خطاب فارغ عن الروح،،،
وهكذا،،، لم تكشف أزمة الصحافة مع الذكاء الاصطناعي،،، بل أزمة بعض الصحفيين مع أنفسهم،، فـ الأزمة لم تكن يوما تقنية،،، بل معرفية،، وحين يصبح النص الجيد ممكنا لمن يعرف كيف يسأل ويفكر،، تسقط كل الامتيازات الوهمية،،، ويبقى معيار واحد فقطوهو :

"إما أن تكون صحفي قادر على التطور،،، أو أن تظل تروي حكايات وبطولات زمن انتهى،، وتغضب لأن أحدا لم يعد يصغي"،،

في النهاية،،، الذكاء الاصطناعي لم يقتل الصحافة،، ولم يسرق روحها،، ولم يلغِ الإنسان،، هو فقط كشف اللعبة القديمة وأوقفها،، وأجبر الجميع على الوقوف في الضوء،، فـ من كان صحفي بـ الفعل،،، تقدم خطوة إلى الأمام،، ومن لم يكن أصلا وتربى في أوكار السلطات بدأ يصرخ عن الروح لأنه لم يجد ما يكتبه عنها أصلا،،،
#خليل_النظامي
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions