د. أحمد زياد أبو غنيمة يكتب: "السردية الأردنية".. عقد ولاءٍ وشراكة لا "محاضرات صمّاء"!!!
نبأ الأردن -
حين تشرفتُ بلقاء جلالة الملك عبد الله الثاني في بداية عام 2019، بمعية نخبة من الكتاب والصحفيين، كان هاجسي الأول عند حديثي امام جلالته؛ هو العودة إلى الجذور، إلى تلك "الكلمة السواء" التي قامت عليها الدولة.
قلت لجلالته يومها بوضوح ومباشرة: "إن الأردن بُني بتفاهم وعقد اجتماعي راسخ بين الهاشميين والشعب الأردني، وهذا ما نريده أن يتعزز ويكون عنواناً لمئوية الدولة الثانية، وبأن يظل جلالة الملك أباً وأخاُ لكل الأردنيين على حد سواء، مسافة واحدة وقلباً واحداً."
تلك الكلمات لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل كانت تلخيصاً دقيقاً لـ "السردية الأردنية" الحقة كما نفهمها نحن أبناء هذا الوطن، وكما ورثناها كابراً عن كابر.
واليوم، ونحن نشهد "موضة" المحاضرات والندوات التي يتسابق فيها مسؤولون سابقون للحديث عن "السردية الأردنية"، أجد لزاماً عليّ أن احاول ضبط البوصلة نحو السردية الحقيقية التي يفهمها الاردنيون.
هذه المحاضرات التي تُلقى في القاعات المكيفة، غالباً ما تخطئ العنوان، ولا تلامس وجدان الأردني في القرى والبوادي والمخيمات، لأن السردية الأردنية لم تُكتب بالحبر السري، بل كُتبت بالدم والعرق والمواقف الرجولية منذ اللحظة الأولى.
***
* عقد التأسيس: بيعة الرضا لا بيعة السيف...
إن جوهر السردية التي نؤمن بها يبدأ من لحظة تاريخية فارقة، حين استقبل الأردنيون الأمير المؤسس عبد الله الأول في معان عام 1920 ( وقد كان جدّي محمود أبوغنيمة من مستقبلي الامير المؤسس).
لم يأتِ الهاشميون غزاةً بجيوش جرارة، ولم يفرضوا حكمهم بحد السيف، بل جاء التأسيس عبر "بيعة رضا" وقبول طوعي؛ لقد تعاقد الأردنيون مع قيادتهم الهاشمية على الشراكة في المصير، وتنازل زعماء العشائر عن نفوذهم المناطقي لصالح مشروع "الدولة الاردنية"، هنا كُتب السطر الأول في السردية: الهاشميون يحكمون بالشرعية الدينية والتاريخية وبرضا الناس.
***
* العشائر والقوى الوطنية: أعمدة الخيمة....
وفي تفاصيل هذه السردية، لا يمكن تجاوز دور العشائر الأردنية، التي ظُلمت حينما حاول البعض في الصالونات السياسية تسويقها كـ "فلكلور" أو مجرد ثقل ديموغرافي.
الحقيقة التاريخية تصرخ بأن العشائر كانت "حزباً سياسياً وطنياً" بفطرتها، وهي التي شكلت نواة الجيش العربي المصطفوي، وقدمت الشهداء على أسوار القدس واللطرون وباب الواد، لتثبت أن السردية الأردنية هي "سردية عروبية" بامتياز.
وكذلك حال القوى الوطنية والإسلامية، التي شكلت ظاهرة فريدة في المنطقة؛ فالمعارضة في الأردن كانت دائماً جزءاً من "الدولة" وليست نقيضاً لها؛ اختلفنا في السياسات، وعارضنا الحكومات، ولكن في مفاصل التاريخ الخطرة والمنعطفات الحادة، كان الجميع – إسلاميين ويساريين وقوميين – ينحازون لشرعية النظام واستقرار البلد، مدركين أن أمن الأردن واستقرار الحكم الهاشمي مصلحة عليا لا تقبل المقامرة.
***
* صدر الدولة.. ومقولة "وصفي" الخالدة....
ومن ملامح السردية الأردنية الراسخة التي نفتقدها اليوم، أن صدر الدولة "يتسع للجميع"، وأن الاختلاف في الرأي هو ثراء للوطن لا طعنة في خاصرته.
ولا يزال الأردنيون يذكرون، بكثير من الفخر والاعتزاز، تلك اللحظة التاريخية الفارقة في أوائل ستينيات القرن الماضي، حين أصدر الراحل الملك الحسين بن طلال توجيهاته السامية بإتلاف الملفات الأمنية لمن كانت الأجهزة تطلق عليهم وصف "المعارضين".
يومها، التقط الشهيد وصفي التل تلك الإشارة الملكية بوعي "رجل الدولة" الذي يفرق بين الغث والسمين، ونفذ التوجيهات الملكية فوراً، مرسخاً قاعدة ذهبية في العمل السياسي الأردني لا تزال ترنّ في آذاننا:
"إن الأردني قد يختلف مع سياسات وحكومات، ولكنه لا يختلف مع وطنه، والأردني لا يخون وطنه".
تلك كانت قمة "السردية"؛ دولة تحتوي أبناءها بدلاً من شيطنتهم، ونظام يثق بشعبه، ومعارضة تعود لحضن الوطن عند أول نداء، لأنها تدرك أن الخلاف هو على "مصلحة الوطن" وليس عليه.
***
* أزمة "الرواة": فاقد الشيء لا يعطيه....
ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً في مشهد "المحاضرات" الحالي، تكمن في شخوص المتحدثين أنفسهم؛ إن السواد الأعظم من هؤلاء المسؤولين السابقين – مع الاحترام لشخوصهم – يحملون سجلاً إدارياً وسياسياً "له وعيله"، ولكن الكفة الراجحة في ذاكرة الأردنيين هي كفة "ما عليهم".
لقد ضاق صدر المواطن الأردني، ولم يعد يملك ترف الاستماع لدروس في "الولاء والإخلاص" ونظريات في حب الوطن، تأتيه ممن كانوا يتربعون على سدة القرار لسنوات طويلة، فهؤلاء الذين يعتلون المنابر اليوم للتنظير، هم أنفسهم من كانوا في موقع المسؤولية حين أوصلوا البلاد والعباد إلى هذا "الأفق المسدود" اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
إن الشعب بوعيه الفطري يدرك أن الولاء الحقيقي كان يجب أن يُترجم إنجازاً ونزاهةً حينما كانت الأختام بأيديهم، لا أن يتحول إلى مواعظ موسمية بعد مغادرة الكراسي ( حين كان عليهم ان يتحدثوا لمصلحة الوطن لا ان يصمتوا ليحافظوا على كراسيهم).
***
* من رحم الأرض.. لا من الأبراج العاجية....
ختاماً، إن الشعب الأردني العظيم، حين يقلب صفحات تاريخه، وحين ينظر إلى معجزة صمود الأردن قيادة وشعباً في وجه العواصف الإقليمية، فإنه لا ينظر من "أبراج" المسؤولين العاجية، ولا من نظرياتهم المعلبة.
إن منظار الأردني نقيٌ وصادق، لأنه ينبع من التصاقه الحميم بأرضه وتراب وطنه؛ هو يرى "السردية" بعين الفلاح الذي يزرع الأمل، وبعين الجندي الذي يحمي الحدود، وبعين كل مواطن قابض على الجمر، هؤلاء هم من يكتبون السردية يومياً بصبرهم وثباتهم وولائهم المباشر لوطنهم وقيادتهم، دون حاجة لوسطاء لم ينجحوا في الإدارة، ثم عادوا ليمارسوا علينا دور "الحكماء".

























