حسن الشوبكي يكتب : "الراحل عبيدات" .. رجل الدولة المعارض على خُطى وصفي
نبأ الأردن -
اختلف عن اقرانه كثيراً فهو ليس " باشا " او حاملاً للقب " دولة " وحسب .. بل كان أكبر من ذلك بكثير ، ففي خضم السلطة لم يجلس على الكراسي ويستمتع بالامتيازات والألقاب ، بل رسم للمنصب هيبة ومعنى ، فعندما يُذكر اسمه يجول في الذاكرة الوطنية " حرق ملفات الكيدية " وإضفاء القانون والأخلاق على عمل السلطة الأمنية والسياسية .. وترتقي الذاكرة إلى مضامين " من أين لك هذا "وإجراء انتخابات تكميلية في منتصف الثمانينات وصفت بالأكثر نزاهة في البلاد رغم أنها جرت في زمن الأحكام العرفية .
هو رجل الدولة الذي تمكن خلال العقود الخمسة الأخيرة من قول كلمة " لا " عندما كان من الواجب قولها ، وبهذا المعنى يمكننا ان نفهم رفض عبيدات لتشكيل حكومة أقطاب في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي ، حكومة يكون نائبه الأول فيها الراحل احمد اللوزي والنائب الثاني طاهر المصري .. والسبب كان في رفضه لكل مسار السلام في مدريد ومن بعده في أوسلو ووادي عربة .
وفي المعنى العميق جداً للسياسة ، أتذكر عندما كنت في بواكير الوعي الأولى - ١٩٨٤ - ان الراحل سليمان عرار كان الذراع الأهم في تشكيلة الحكومة بوصفه وزيرا للداخلية ، وعرفت بعد عقود .. أن عبيدات اختار الوزراء حينها وفقاً لمسطرة مهنية واخلاقية راعى فيها أن يكون الوزير قريباً من الأردنيين ويشبههم علاوة على شرط النزاهة والأمانة .. ولم أر في ذاك الزمان شخصية أقرب إلى الناس وأكثر صدقا معهم في معان كما في كل المحافظات كشخصيّة أبي محمد .
طبعا سيختار ابو ثامر فريقه بعناية وسيلاحق الفاسدين وسيعلي من شأن القضاء والقضاة ويؤسس لفصله عن السلطة التنفيذية فضلا عن دوره في تأسيس المعهد القضائي الأردني ، ولا غرو أن يتألق المركز الوطني لحقوق الإنسان في عهده حيث اصدر العديد من التقارير الجريئة التي انتقدت السلطة من دون مواربة ، واهمها كان التقرير الذي اعتبر أن الانتخابات النيابية التي جرت في عام 2007 قد شابها التزوير.
وربما يكون " أبو ثامر " الشخصية الوحيدة في أوساط النخبة التي لم تطلب شيئا شخصيا من قيادة الدولة خلال خمسين سنة خلت ، لا خلال حضوره في السلطة ولا بعدها ، وهو ما تم بالفعل فلم نر توريثا في المناصب لأبنائه أو لأقاربه .
وكما قاد وصاغ الميثاق الوطني الأردني في مستهل التسعينيات ، عاد وواصل العمل بجد ونشاط لتكريس معاني الإصلاح والنزاهة والعدالة في البلاد خلال العقد الماضي وفي زمن التحولات السياسية الكبرى ترأس جبهة الإصلاح الوطني وكان رمزاً وطنيا كبيرا في هذه المهمة الشاقة ، وكان يتحدث دوماً عن الأردن الموحد بقوة جبهته الداخلية وتماسكها في مواجهة ما يُحاك ضده .
إن كُنا نعتبر أن خط الشهيد وصفي التل ومدرسته في السياسة والإدارة والحكم شكلا قيمة إضافية لبلادنا ، فيمكن القول إن الراحل احمد عبيدات كان الأقرب لهذا الخط والمسار والمدرسة ، وهو ايضاً رجل الدولة المعارض الذي برع في تجسيد هذه الثنائية وفقا للمبادئ التي حملها في وجدانه ومثلها مصلحة بلاده في ان يكون قوياً ومتماسكاً وبعيداً عن أيدي لصوص الداخل والخارج .. تفرغ عبيدات في خواتيم عمره لمأسسة الإصلاح والحوكمة والعدالة ولم ينشغل - وهو العفيف - بتعيين إبن أو قريب في السلطة على غرار ما يفعله كثير من المسؤولين والمتنفذين ، كما لم يتفرغ القامة الوطنية عبيدات لطلب العرائس والحضور الزائف ، ولم يتوقف عند جُفاء " الزَبد " بل تخطاه إلى " ما ينفع الناس " ، ولذلك ولغيره أحبّه الأردنيون في حياته وواصلوا محبته بعد الرحيل ، ولا يشبهه في ذلك كثير من رؤساء الوزراء الذين يرحلون ولا يتذكرهم الأردنيون بشيء .
التقيت راحلنا الكبير مرتين بعد السابع من اوكتوبر ومرات عديدة قبل هذا التاريخ ، وما رأيت سياسياً في النخبة العربية والوطنية يستطيع قراءة وتفكيك مخاطر الإحتلال الاسرائيلي مثله .. وهو ما يفسر موقفه المناهض للسلام مع الاحتلال سواء عبر " أوسلو " او " وادي عربة " قبل اكثر من ثلاثة عقود.
حسن الشوبكي
مدير مكتب الجزيرة في عمان.

























