د. زهور غرايبة تكتب : يوم الوفاء والبيعة: حين يكون الإنسان جوهر الدولة وقيمتها العليا

د. زهور غرايبة تكتب : يوم الوفاء والبيعة: حين يكون الإنسان جوهر الدولة وقيمتها العليا
نبأ الأردن -
في السابع من شباط، لا يمرّ اليوم عاديًا عند الأردنيين، هناك شيء داخلي يتحرّك، ذاكرة مشتركة، وشعور قديم يتجدّد، وهو اليوم الذي يستدعي سيرة الباني الراحل الحسين بن طلال رحمه الله، بكل ما حمله من حضور إنساني وقرب من الناس، ويستحضر في الوقت نفسه مسيرة مستمرة بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين أعزه الله، فهي مسيرة لم تنفصل يومًا عن الإنسان الأردني.

هذا اليوم الوطني يُستعاد بوصفه لحظة متجذّرة في الذاكرة الوطنية، ولحظة تَشكّل فيها الوعي الوطني على نحوٍ مكثّف، وتكرّس فيها معنى الوفاء والبيعة كجزء من التجربة الأردنية نفسها، ففي السابع من شباط، تداخل الحزن مع الإحساس بالمسؤولية، وتحوّل الفقد إلى فعل وطني حافظ على تماسك الدولة واستمرارية سرديتها.

تشكلت الهوية الوطنية الأردنية عبر مسار طويل من التفاعل بين الدولة والمجتمع، في سياقٍ اتسم بالتحديات والتحولات، إذ لم تُبنَ هذه الهوية على فكرة السلطة المجردة، وإنما على منظومة قيمية واضحة جعلت الإنسان في مركز الانتماء، وكرامته أساس الاستقرار، ومشاركته شرطًا لحماية الدولة واستمرارها. ومن هنا، لم يكن الإنسان الأردني طرفًا هامشيًا في مشروع الدولة، بل كان جوهره وفاعله الأساسي.

وفي صلب هذه الهوية، ترسّخت فكرة أن الإنسان أغلى ما نملك، لا كشعار، بل كتصور وطني للحياة العامة. تصور يرى في المواطن حاملًا للهوية، ومسؤولًا عن صونها، وشريكًا في إعادة إنتاجها عبر الممارسة اليومية والانتماء الفعلي. لذلك، ارتبطت السردية الوطنية الأردنية بفكرة الدولة القريبة من ناسها، الحاضنة لهم، والمستندة إلى ثقتهم، لا المفصولة عنهم أو المتعالية عليهم.

إن العلاقة بين القيادة الهاشمية والإنسان الأردني شكّلت أحد الأعمدة الأساسية لهذه السردية، فهي علاقة قامت على القرب المتبادل، وعلى الحضور في الميدان، وعلى الإصغاء المباشر لهموم الناس وتطلعاتهم. هذا النمط من العلاقة أسهم في ترسيخ الثقة، وفي بناء شعور عميق بالشراكة الوطنية، حيث لم يُنظر إلى الدولة ككيان منفصل عن المجتمع، إنما كامتداد له وتعبير عن قيمه وتاريخه.

أما التنمية في التجربة الأردنية، فقد ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالهوية الوطنية وبالذاكرة الجمعية، حيث إنها لم تُفهم التنمية بوصفها مسارًا تقنيًا منفصلًا عن المجتمع، وإنما كعملية وطنية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وحماية النسيج الوطني، وتحسين شروط الحياة، وتوسيع الفرص، مع الحفاظ على العدالة والتوازن، فالتنمية في الأردن تنطلق من الإنسان، وتحمي كرامته، وتراعي خصوصية المجتمع، وهي غير منقوصة، حيث تعمل على ترسيخ الانتماء وتعزيز الثقة.

ويأتي يوم الوفاء والبيعة ليجسّد هذا التلاقي العميق بين الذاكرة الوطنية والهوية السياسية، وهو يوم تتجدد فيه العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين الإرث والمسار، وبين القيادة والمجتمع، ووفاء لمسيرة أسّست الدولة على قاعدة الإنسان، وبيعة لنهج وطني حافظ على تماسكه لأنه لم ينفصل عن ناسه، ولم يتخلَّ عن قيمه، ولم يساوم على كرامة مواطنيه.

وفي زمن تتعرض فيه الهويات الوطنية للاهتزاز، يواصل الأردن إعادة إنتاج هويته بهدوء وثبات، مستندًا إلى ذاكرة وطنية قوية ومتماسكة، وسردية وطنية واضحة، وعلاقة راسخة بين القيادة والناس، وهكذا يبقى السابع من شباط أكثر من ذكرى؛ محطة لتأكيد المعنى، وتجديد العهد، وترسيخ فكرة الوطن الذي يُصان بإنسانه، وتُحفظ هويته بالفعل قبل القول.

حفظ الله الأردن وقيادته الهاشمية التي تنظر إلى الانسان بأنه أساس التنمية.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions