محمد حسن التل يكتب: أحمد عبيدات... الرحيل الكبير!!!

محمد حسن التل يكتب: أحمد عبيدات... الرحيل الكبير!!!
نبأ الأردن -
كان العرب عندما يموت سيد من أسيادهم يرددون بحزن واستنكار "رحل كله؟"، و كان هذا يشير أن الراحل ليس بحجم إنسان عادي، بل هو قامة من الأخلاق والسمات والمواقف والشجاعة والفروسية والثبات على الحق وغيابه ثلمة لا تسد..

أحمد عبيدات، الركن الأردني الكبير إتصف بكل هذه الصفات على امتداد أكثر من ستة عقود من العمل العام والزعامة الوطنية لذلك أجمع الأردنيون على محبته واحترامه وتقديره، ومن أجل ذلك خيمت الفجيعة وعمهم الحزن ساعة رحيله..

كان الرجل رغم مهابته الكبيرة يحمل في قلبه محبة لا متناهية للناس ولوطنه،
لم يكن الراحل يومًا معارضًا لدولته كما يظن بعض قاصري النظر، لكنه كان يعارض سياسات ومواقف ويعطي رأيه بكل صراحة ، وهذا من سمات رجل الدولة الصادق القابض على زمام البيعة التي تلزم الرجال بالصدق، وقول الحق، لذلك حاز على إحترام الأردنيين واحترام الدولة وكان يرى أن من باب الإخلاص أن يقول كلمة الحق دون مجاملة، حرصًا على الأردن بكل أركانه، لم يكن يومًا أسيرًا لأطماع المناصب، ظل ثابتًا كرمح مغروس في الأرض لا يتغير ولا يتبدل في دفاعه عن سيادة الأردن وسيادة القانون والدستور، وحلق بعيدًا في سماء العروبة ليدافع عن أمته، لذلك نرى هذا الإجماع الوطني الكبير على شخصيته والحزن الذي خيم على الأردنيين ساعة نعاه الناعي، وأجزم أن الأردنيين لم يجمعوا على شخصية وطنية بعد الشهيد وصفي التل إلا على أحمد عبيدات..

شكلت مسيرة الراحل حالة وطنية نادرة في التاريخ الوطني، على الجانب السياسي والفكري والعمل العام، سواء كان داخل الحكم أو خارجه، عندما أعلن معارضته للسلام مع إسرائيل، تفاجأ الكثيرون الذين لم يفهموا شخصيتة، واستغربوا كيف لرجل دولة وركن من أركان النظام أن يتخذ مثل هذا الموقف، لكن الذين كانوا يعرفون الرجل عن قرب لم يستغربوا منه هذا الموقف لأنهم يفهمون كيف يفكر أحمد عبيدات الذي كان يملك قناعة بأن الكيان الإسرائيلي لم يسع للسلام مع العرب يومًا وأن عينه على فلسطين كلها وما حولها، وأنه يريد شكل السلام لا مضمونه، لذلك كان الراحل الكبير صوت وطني هادر وعروبي متحفظ على التطبيع السياسي والشعبي مع إسرائيل لأنه كان يرى أن السلام الذي لا يقوم على استرداد الحقوق كاملة هو سلام مزيف يكون لصالح العدو فقط، وكان يردد أن من يريد علاقة مع إسرائيل من العرب يجب أن تكون محكومة هذه العلاقة بضوابط المصلحة الوطنية والقومية العليا، وكان يدعو إلى وجوبية ألا تشعر إسرائيل أن اتفاقيات السلام المنقوصة هي نهاية طريق المطالبة بالحقوق العربية في فلسطين، ويجب أن يفهم الكيان الصهيوني أن الصراع قائم ما دام يحتل تراب العروبة في فلسطين..

وكان يرى أن السلام يجب أن يكون بين أطراف ذات ندية ولا يمكن أن يكون بين قوي وضعيف.....
دافع الراحل الكبير في من خلال المناصب التي تبوأها عن سيادة القانون والعدالة بين المواطنين في جميع المجالات وعلى مستوى كل الفرص، كُلف وطنيًا بالمهام الصعبة في مراحل زمنية كان الأردن يمر فيها بمنعطفات صعبة، أثبت في كل مرة أنه الرجل الذي يدافع عن وطنه بكل فروسية وشجاعة وثبات سواء مديرًا للمخابرات العامة أو وزيرًا للداخلية أو رئيسًا للوزراء، وعندما ترأس لجنة الميثاق الوطني بتكليف من المغفور له الحسين وكان الأردن وقتها يمر بمنعطف صعب، أنجز المهمة كما يجب وظل ثابتًا على مواقفه، لم يجامل في الإصرار بالمضي على طريق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون والدستور، وكان يرى بهذا حماية حقيقية للأردن، وعندما تولى مسؤولية المركز الوطني لحقوق الإنسان لم يجامل الحكومات وأظهر الحقائق كما يراها، ليس من باب البحث عن العيوب، بل حرصًا على وطن وشعب ودولة.

في إطار هذه المسيرة التي كانت في مراحل صعبة كما أشرت وانغماسه في العمل العام، ظل الرجل قريبًا من الناس،وشكل زعامة وطنية نادرة وبقي على تواصل بالمجموع الشعبي الأردني من أقصى الشمال لأقصى الجنوب، لم ينفصل عن محيطه الأردني ولم يسع للزعامة كما يسعى اليها الكثيرون اليوم، بل سعت الزعامة إليه وسعى الناس إليه لأن الأردنيون يعشقون نماذج أحمد عبيدات..

رحل الرجل الكبير لأن الموت قرره الله على عباده ولم يستثن منه أحدا من خلقة وخاطب رسوله العظيم "إنك ميت وإنهم ميتون" لكن الموت لا يغيب أثر الرجال أمثال أحمد عبيدات الذي ما توقف أبدا عن اتخاذ المواقف التي ستظل في ذاكرة الأردنيين على المدى .
رحم الله الرجل الرمز والعنوان الكبير للرجولة والفروسية في الحق .. لكنه لم يمت كله فستظل سيرته وقيمه ماثلة للاردنيين دائما ...
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions