د. وليد العريض يكتب: الجسد المسكوت عنه في الشرق "تعقيب على مقالة د. وليد عبد الحي بمناسبة إبستين: الجنس بين الفلسفة والسياسة"

د. وليد العريض يكتب: الجسد المسكوت عنه في الشرق تعقيب على مقالة د. وليد عبد الحي بمناسبة إبستين: الجنس بين الفلسفة والسياسة
نبأ الأردن -
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرّد فضيحة أخلاقية، بقدر ما كانت لحظة كاشفة لعلاقة عميقة بين الجنس والسلطة والمال. هذه العلاقة تناولها المفكر وليد عبد الحي بجرأة فكرية حين ربط بين السلوك الجنسي للنخب السياسية وغياب المساءلة، مزيحًا الستار عن جانب طالما جرى التعامل معه بوصفه تفصيلًا خاصًا أو عيبًا أخلاقيًا، لا مسألة بنيوية في فهم السلطة.

غير أن هذا النقاش على أهميته، لا يكتمل إذا بقي محصورًا في السياق الغربي، لأن البنية ذاتها - مع اختلاف الأدوات والأقنعة - حاضرة بقوة في الشرق ولكن بصيغة أكثر صمتًا وأشدّ نفاقًا وأقلّ قابلية للكشف.

فالشرق في الواقع، لم يفتقر إلى إبستين،
بل افتقر إلى الضوء.

الجسد خارج التفكير… داخل السلطة...

لم يحتلّ الجسد موقعًا مركزيًا في الفكر الفلسفي الشرقي، إذ انشغل العقل طويلًا بقضايا الروح والمعرفة والخلاص، بينما تُرك الجسد للفقه أو للعُرف أو للوعظ الأخلاقي. وهكذا غاب الجسد عن التفكير النقدي، لكنه لم يغب عن الواقع، بل تحوّل إلى منطقة بلا حماية معرفية، ما سهّل على السلطة التسلل إليه واستثماره.
حين لا يُفكَّر في الجسد بوصفه شأنًا إنسانيًا، يصبح سهل التوظيف سياسيًا وسهل التحويل إلى أداة ضبط أو ابتزاز.

التاريخ يقول ما لا تكتبه السياسة
تكشف التجربة التاريخية الشرقية، لا سيما عبر كتب الأخبار والمراسلات الدبلوماسية، عن حضورٍ دائم للجسد داخل دوائر الحكم. ففي البلاطات الأندلسية والعباسية لم تكن الجواري والمغنيات مجرد مظاهر ترف، بل لعبن أدوارًا غير مباشرة في نقل الأخبار وبناء النفوذ داخل القصر.
وفي الدولة العثمانية، لم يكن الحرملك فضاءً منزليًا معزولًا، بل مجال تأثير سياسي غير معلن، كما تشهد بذلك تقارير السفراء ووثائق البلاط .
غير أن هذا التداخل بين الجسد والسلطة لم يُناقَش بوصفه شأنًا سياسيًا، بل جرى تحييده أخلاقيًا وإبعاده عن المجال العام باسم الوقار والدين والهيبة.

الأدب أكثر صراحة من الفكر
في مقابل صمت الفكر السياسي، كان الأدب أكثر جرأة في كشف هذه العلاقة. ففي ألف ليلة وليلة، لا يُهزم الملك بالقوة، بل بإدارة دقيقة للجسد والرغبة والخوف. وشهرزاد لا تنجو بالحكمة المجردة، بل بفهمها العميق لآليات السلطة الذكورية، حيث يصبح الجسد أداة تفكيك لا أداة خضوع.
هذا السرد الشعبي أدرك مبكرًا أن الجسد ليس هامشًا في الحكم، بل أحد مفاتيحه الخفية.

أخلاق مزدوجة
في الخطاب الديني والاجتماعي، تظهر مفارقة صارخة:
صرامة شديدة في ضبط جسد المرأة وسلوكها في المجال العام، مقابل صمت طويل إزاء سلوك أصحاب النفوذ. وهكذا تتشكّل أخلاق مزدوجة، تُراقِب الضعيف وتُحصِّن القوي وتُقدِّم هذا التناقض بوصفه أمرًا طبيعيًا أو غير قابل للنقاش.

لا يُدار هذا الخلل بوصفه أزمة أخلاق عامة، بل بوصفه واقعًا مفهومًا.

الدولة الحديثة: الجنس كملف أمني...

مع قيام الدولة الحديثة، لم تختفِ العلاقة بين الجنس والسلطة، بل تغيّرت أدواتها. فشهادات ومذكّرات سياسية من القرن العشرين تشير إلى استخدام العلاقات الجنسية في الابتزاز، أو التجنيد، أو كسر الخصوم أو إسكات شخصيات عامة.

غير أن هذه الوقائع نادرًا ما تتحوّل إلى قضايا رأي عام، لأنها تُدار داخل أجهزة مغلقة، لا في فضاء الصحافة أو القضاء.
وهنا يصبح الجنس أداة سلطة صامتة أكثر فاعلية من القمع العلني، لأنه يعمل بلا ضجيج.

المرأة: من فرد إلى رمز...

في المخيلة الشرقية، لا تُعامَل المرأة بوصفها فردًا كامل الحقوق فقط، بل بوصفها رمزًا للشرف والسمعة وهوية الجماعة. ولهذا يتحوّل العنف الجنسي من جريمة فردية إلى قضية جماعية تُواجَه بالصمت، أو بلوم الضحية، أو بعنف مضاعف باسم الأخلاق.
الجسد هنا لا يُحمى، بل يُستخدم لضبط المجتمع بأسره.

وختام الكلام
ما كشفت عنه قضية إبستين في الغرب ليس استثناءً أخلاقيًا، بل نموذجًا مكشوفًا لعلاقة عالمية بين الجنس والسلطة.
أما في الشرق فقد أُديرت العلاقة نفسها في الظل وبلا مساءلة وباسم الفضيلة ذاتها.

الجسد ليس تفصيلًا هامشيًا في السياسة، بل مرآة تكشف طبيعة السلطة حين تغيب الرقابة.
وحين تُدار هذه المرآة في الظلام، لا تختفي الحقيقة، بل تتحوّل إلى عنف صامت.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

كيف يمكن لمجتمع أن يبني أخلاقًا عامة،
في ظل سلطة تخشى الجسد وتستثمره في آنٍ واحد؟
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions