امل خضر تكتب : التعليم المهني التقني (BITC)

امل خضر تكتب : التعليم المهني التقني (BITC)
نبأ الأردن -
رافعة التنمية الذكية وخيار المستقبل الأردني في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، لم يعد التعليم مجرد مسار أكاديمي تقليدي أو سباقًا نحو الشهادات، بل أصبح ركيزة استراتيجية لصناعة الإنسان المنتج القادر على الاندماج في سوق العمل والمنافسة فيه بثقة وكفاءة. من هذا المنطلق، يبرز التعليم المهني التقني BITC كأحد أهم المشاريع الوطنية التي تقودها وزارة التربية والتعليم الأردنية برؤية إصلاحية عميقة، تهدف إلى مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، وإعادة الاعتبار لقيمة المهارة بوصفها أساسًا للتنمية المستدامة لا خيارًا ثانويًا.
لقد جاء برنامج BITC استجابة واعية لتحديات البطالة والفجوة المتراكمة بين التعليم وسوق العمل، حيث اعتمدت الوزارة في بنائه على قراءة دقيقة لاحتياجات السوق المحلي والإقليمي والعالمي، فتم طرح الحقول المهنية والتقنية وفق الطلب الحقيقي على المهن الحديثة، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي، ليصبح الطالب شريكًا فاعلًا في العملية الإنتاجية لا متلقيًا سلبيًا للمعرفة. هذا النهج أعاد توجيه البوصلة التعليمية من سؤال "ماذا نُدرّس؟” إلى "من نحتاج أن نُخرّج؟”، ومن الشهادة المجردة إلى الكفاءة القابلة للتوظيف والاستمرار.
ويتميّز التعليم المهني التقني BITC بمرونته وقدرته على فتح آفاق متعددة أمام الطلبة، إذ يتيح لهم الالتحاق بسوق العمل مباشرة بعد إنهاء المرحلة المدرسية، أو الجمع بين العمل والدراسة، أو استكمال مسارهم الأكاديمي بالحصول على الدبلوم أو البكالوريوس في تخصصات تقنية متقدمة. هذه الخيارات المتدرجة تمنح الطالب أمانًا مهنيًا ونفسيًا، وتكسر حالة القلق المرتبطة بالمستقبل، وتؤسس لعلاقة صحية بين التعليم والعمل قائمة على التخطيط والوعي والاختيار، لا على المجازفة والانتظار.
وفي إدراكٍ واضح بأن أي تطوير حقيقي للتعليم لا يمكن أن ينجح دون معلم مؤهل وبيئة تعليمية حديثة، عملت وزارة التربية والتعليم الأردنية على تأهيل المعلمين مهنيًا وتقنيًا وفق أحدث المعايير، وتطوير البنية التحتية للمدارس المهنية، وتجهيز الورش والمختبرات بما يحاكي بيئات العمل الواقعية، إضافة إلى بناء شراكات فاعلة مع القطاع الخاص، بما يضمن نقل الخبرة العملية إلى داخل المدرسة، ويحوّل التعليم المهني إلى تجربة تدريبية متكاملة تُبنى على الجودة والإتقان.
وللتعليم المهني التقني أثر يتجاوز حدود الصف والمدرسة إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية للطلبة. فعلى الصعيد النفسي، يعزز هذا المسار شعور الطالب بالقيمة والإنجاز، ويمنحه الثقة بالنفس من خلال قدرته على الإنتاج والعمل بيده وعقله معًا، لا الاكتفاء بالتحصيل النظري. أما اجتماعيًا، فيسهم في تغيير الصورة النمطية السلبية المرتبطة بالعمل المهني، ويعيد ترسيخ ثقافة احترام المهنة والمهارة باعتبارهما عنوانًا للرقي والتقدم. وعلى المستوى الاقتصادي، يمكّن الطلبة من تحقيق دخل مبكر، ويخفف الأعباء عن الأسر، ويرفع المستوى المعيشي، ويحد من البطالة، ويحوّل الشباب من باحثين عن فرصة إلى صانعي فرص.
ولا تقتصر أهمية التعليم المهني التقني BITC على رفد السوق الأردني بالكفاءات المؤهلة، بل يتجاوز ذلك ليشكّل رافدًا حيويًا للأسواق العربية والعالمية بأيدٍ عاملة مدرّبة بمهارة عالية، مدعومة بالعلم والتطبيق والانضباط المهني، الأمر الذي يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني ويكرّس مكانة الأردن كمركز إقليمي للخبرات التقنية والمهنية.
وفي الخلاصة، فإن التعليم المهني التقني BITC لم يعد خيارًا بديلًا أو مسارًا اضطراريًا، بل هو خيار وطني ذكي، يعيد تعريف مفهوم النجاح، ويمنح الطالب كرامة العمل، ويصنع مستقبلًا قائمًا على الإنتاج لا الانتظار. وهنا رسالتنا بوضوح إلى الطلبة وأولياء الأمور إن اختيار التعليم المهني ليس تنازلًا عن الطموح، بل هو استثمار واعٍ في مستقبل آمن، ومسار حقيقي لبناء الذات وتحقيق الاستقلال والكرامة. فادعموا أبناءكم في اختيار ما يناسب قدراتهم وميولهم، وثقوا أن المهارة المتقنة اليوم هي جواز العبور الأقوى إلى سوق العمل غدًا، وأن التعليم الذي يقود إلى عمل كريم هو أعلى أشكال النجاح، وأصدقها أثرًا في حياة الفرد ونهضة الوطن.

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions