عبدالهادي راجي المجالي يكتب:تجديد الدولة
نبأ الأردن -
لم يطرح أحد فكرة التجديد في الدولة الأردنية ....التجديد لايعني الإنقلاب على الثوابت أو الدستور أو العرف ، التجديد يعني التطور ..
خذوا مثلا الأغاني الوطنية الأردنية : سندح صدرك ، ارفع راسك ، عيون قرناس ، طير شلوة ، يا ام الذوايب ، رجال بالميدان ...الخ لم نستطع للان انتاج (كورال) يجرؤ على غناء قصيدة وطنية ، تكون بمثابة تعبير عن الوجدان والهوية والقيادة ...كل الأغاني لدينا قائمة على الطخ والذبح ...والسلخ وشدينا ع الخيل الضمر ... وذات الكلمات يعيدونها .
تخيلوا حتى مجلس نوابنا ، لايوجد فيه صورة للبتراء أو لجرش أو المدرج الروماني ..مجلس بلاهوية ، مجرد (قوارة ) موجوده على الباب ، وكراسي من اللون الأخضر ، وألواح خشب ...حين تدخل البرلمان الألماني (البوندستاغ) تجد مئات الخربشات الموجودة على الحائط ، وحين تسأل يخبرونك بأن هذا ما كتبه الجنود الروس ...حين دخلوا (البوندستاج) ، واحتفظنا به عبر وضع الزجاج عليها ليكون شاهدا على الهزيمة والتاريخ ...التطور الوحيد الذي حدث في مجلس نوابنا أنهم غيروا في الخشب من فورمايكا ..إلى خشب صندل ، وحدث الأمر عام
1996
ماذا لو قام مازن القاضي بإصدار أمر ، بعمل بانوراما للتاريخ على شكل صور في البرلمان ..على الأقل حتى لا تكون الشاشة فقيرة حين تعرض جلسات المجلس ...وتم تكليف رابطة التشكيليين الأردنيين بالأمر .
حتى إذاعاتنا لم يتغير فيها شيء ، في الصباح تدير قرص المذياع ...ذات المواضيع ونفس البكاء ، وكلها شكاوى موزعة بين فقدان إبر الأنسولين ، وبين وجود المطبات ... والكلاب الضالة ، تخيلوا أخذت الكلاب الضالة مساحة في الإعلام الأردني أكثر مما أخذته الهوية ، أكثر مما أخذته قصة الدور الخارجي للدولة ..وأكثر مما أخذه الضمير الوطني ...
نحن دولة بحاجة للتجديد ... حتى النخب التي تزور الرئاسة والديوان ..هي ذاتها لم تتغير ، أنا أتابع صفحة الزميل ماهر أبو طير مثلا ..ما زال ينشر صوره في الديوان الملكي عام 1995 ...وينشرها الان ، ماهر منذ (30) عاما وهو من المواظبين على الزيارات الرسمية ...في هذه ال (30) عاما ولدت أجيال ومحيت أخرى ...وظل ماهر ، أنا في الحقيقة لا أقصد أي نوع من الغمز على هذا الزميل المقدر ..بالعكس هو من أرق الناس قلبا وأكثرهم حبا للبلد وللتراب الأردني .
وما زال عنوان الرأي هو ذات العنوان ، وعنوان جريدة الدستور ذات العنوان ..ماذا لو أضفنا همزة ، أو كسرة من قبيل التجديد فقط ..لكنهم يبررون المسألة بقيم الإعلام وتقاليده العريقه .
حتى رئيس الديوان الملكي ...أنا أعرف أن لرئيس الديوان اسما ، فايز الطراونة كان يكتب في الصحافة عنه هكذا : التقى رئيس الديوان الملكي الدكتور فايز الطراونة ...وجواد العناني كان يكتب اسمه الصريح ، وأحمد اللوزي كان يشار له باسمه الصريح ..الغريب أن الصحافة الان تكتب (ابو حسن) ...أحيانا أضحك حين أقرأ خبرا أو مقالا في المواقع عن رئيس الديوان بالكنية وليس بالاسم الصريح ...أبو حسن ننادي عليه بالكنية في مجالسنا ..لكن هذا الرجل اسمه يوسف العيسوي ، وبعد مئة عام حين يقرأ تاريخ الدولة ..اعلينا أن نعرف أن التاريخ يكتب عن الناس بأسمائهم الصريحة ، ترى متى يتهذب إعلامنا قليلا ويعطي الرجل اسمه وصفته الوظيفية والرسمية ؟.....لو رجعنا لما يكتبه أستاذنا حامد العبادي على صفحته وفي مذكراته عن تاريخه الصحفي، سنجد أن إزالة لقب معالي وعطوفة وسعادة من الأخبار الرسمية التي تصدرها وكالة الأنباء ، تم بقرار من مجلس الوزراء ...وذكر الاسم الصريح للمسؤلين في الخبر الصحفي تم بقرار أيضا .
نحتاج إلى تجديد في الدولة ، البزنس بارك والبوليفار ..ماذا سيفعلون بنا إن بقيت الذهنية واحدة ، الجدران والشوارع والإنارة ..لن تغير إن لم يكن لدينا ثورة في الوعي ..إن لكن لدينا تحالفات مع العقل ...
تخيلوا حتى بكم الغاز يرفض التغيير ، مازالوا يصرون على أن بيتهوفن ...هو من اخترع (جلدة الغاز) ..مازالوا يضعون موسيقاه لإخبار الناس بأن (البكم) جاء ..وحتى بائع الغاز لم يتغير منذ (50) عاما ، ما زال مصرا على فحص التسريب عبر (القداحة) ...
في الأردن الغريب أننا ننتقد السلطة ، ننتقد الحكومة ، ننتقد المؤسسات ..لكن لايوجد في مفهومنا نقد للمجتمعات ، ما زال كونترول الباص يمثل دورا مهما في حركة النقل في الأردن ، ومازال صاحب التكسي الأصفر مصرا على أن العداد لايعمل ...ومازالت عقلية (ابو حامد) تؤمن أن (فتيلة الفوجيكا) اليابانية الصنع تمنح دفئا أكثر ...وأن البائع يغش في (الفتايل) ..جمع فتيلة .
المفكرون العرب في معظمهم ، انتقدوا الموروثات والأنماط السائدة لدى الشعوب ...لأن الشعوب ثابتة والسلطة تتغير ، لكن في الأردن كيف سنحصل على التجديد والشعب محصن ولا يجوز نقده ...أنا حر أريد أن أتناول المنسف بدون وضع يدي خلف ظهري ، أنا أريد أن تقدم مناسف دجاج في العزاء توفيرا على أهل الميت ....وما به الدجاج ، أصلا أحبه أكثر من اللحم ...
أنا أريد أن أتحرر من علبة (البلابيف) التي تطاردني منذ 40 عاما ، أريد أن أتحرر أيضا ... من صحن الفول الذي لم يتغير ، من نظرية : (أحط شطة ولا بلاش ع الفلافل )...أريد أن أتحرر من الطريق الصحراوي الذي منذ أن تفتحت عيوني على الدنيا لم أجد شجرة واحدة قد زرعت على جوانبه ، أريد أتحرر من جملة فتحية اتطلقت ..يا الهي ما أقبح هذه الجملة ، لقد وصل بنا الحال لأن أنتجنا نوعا من (البزر) وأسميناه (بزر مطلقات) ..أمس وأنا أشرح للتاجر عن نوعية المكسرات التي أريدها صمت قليلا ثم قال لي : (احكيلي من زمان بدك بزر مطلقات) ...ماذا لو قلنا أن فتحية انفصلت عن زوجها ، الكلمة فيها احترام وتخفف ...ماذا لو قلنا (بزر منفصلات) ..حتى البزر قمنا بتسخيفه .
يقول الله تعالى : ( إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ..ترى متى نجدد أنفسنا ، ونجدد دولتنا ..ونجدد خطابنا ، ونجدد هذه الروح المتعبة فينا .

























