د.عبدالله محمد القضاه يكتب: ما الذي منع الانفجار؟ قراءة هادئة في المشهد الإيراني
نبأ الأردن -
تراجع شبح الحرب الأمريكية على إيران لم يكن مجرد حدث عابر في دهاليز السياسة الدولية، ولا هو نتاج اندفاع مفاجئ نحو التهدئة. بل كان محصلة حسابات معقدة، حيث اصطدمت الرغبات السياسية العنيفة بحقيقة التكاليف الاستراتيجية الباهظة. ما رأيناه هو تحول مدروس، أشبه بتغيير مسار سفينة من المواجهة العسكرية المباشرة إلى فن إدارة صراع طويل الأمد، في منطقة أرهقتها المغامرات المفتوحة.
لطالما دفعت إسرائيل، على مدى السنوات الأخيرة، بكل قوتها نحو مواجهة عسكرية مباشرة مع طهران. كانت قناعتها راسخة بأن الحسم العسكري هو الطريق الوحيد لإعادة ترسيخ الردع، ونقل ثقل هذا الصراع إلى واشنطن. فمن وجهة نظر صانعي القرار الإسرائيليين، حرب تقودها الولايات المتحدة تعني تقليصًا كبيرًا لاحتمالات استهداف العمق الإسرائيلي، وإلقاء العبء الأكبر لأي تداعيات إقليمية على عاتق القوة الأمريكية الضاربة.
لكن هذه الرؤية، رغم جاذبيتها الظاهرية، اصطدمت بجدار الواقعية الأمريكية. فالولايات المتحدة، وإن كانت لا تتردد في التصعيد الكلامي وفرض العقوبات المشددة، كانت تدرك تمام الإدراك أن أي شرارة حرب مع إيران لن تبقى محصورة. بل ستتخذ طابعًا إقليميًا واسعًا، يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، ويزيد من هشاشة الاقتصاد العالمي الهش أصلاً، ويضع حلفاءها أمام أثمان قد لا يطيقون تحملها.
في خضم هذا المشهد المعقد، تبنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب سياسة "الضغط الأقصى"، التي كانت أشبه برقصة على حافة الهاوية، ممزوجة بغموض استراتيجي متعمد. ارتفع منسوب التهديد، وتكثفت العقوبات، وتحركت القطع العسكرية في الخليج، لكن كل ذلك لم يتحول إلى قرار حرب فعلي. هذا النهج، وإن خلق انطباعًا بقرب المواجهة، كان في جوهره أداة ردع وضغط، لا خيارًا نهائيًا للحسم.
ومع طول أمد هذا الوضع، بدأت التباينات تظهر داخل البيت الأبيض نفسه. بين رئيس يميل إلى إدارة الأزمة وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة، ومؤسسات أمن قومي تخشى أن يؤدي طول أمد الصراع غير المحسوم إلى تآكل قوة الردع الأمريكية. وفي هذا الإطار، كانت الضغوط السياسية والتسريبات الإعلامية مجرد أدوات مألوفة داخل النظام الأمريكي، لا مؤشرات على مسار استثنائي يخرج عن الأطر المؤسسية المعروفة.
في المقابل، تعاملت إيران مع هذا المشهد ببراغماتية لافتة. قرأت التباين الأمريكي-الإسرائيلي على أنه اختلاف في الأولويات لا قطيعة في الأهداف، واختارت سياسة "الرد المحسوب". ففي ذروة التصعيد ، جاء ردها مباشرًا لكنه مدروس، ليؤكد قدرتها على الردع دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، ويعيد رسم حدود الاشتباك بوضوح.
ومع مرور الأيام، ترسخت قناعة دولية بأن الحرب لم تعد خيارًا يمكن التحكم به، وأن إدارة الصراع باتت المسار الأقل تكلفة والأكثر واقعية. وهكذا، انتقل المشهد من حافة المواجهة العسكرية الشرسة إلى صراع مُدار بعناية، يعتمد على العقوبات والضغط السياسي والتحركات المحدودة، بدلاً من الحسم العسكري المباشر. هذا التحول لا يعني بالضرورة تسوية شاملة، فالتسوية تتطلب تنازلات متبادلة قد لا تكون متاحة اليوم، لكنه يعكس إدراكًا متبادلاً لاستحالة الحسم العسكري.
إن عدم وقوع الحرب، في نهاية المطاف، لا يعني هزيمة لإسرائيل بقدر ما يكشف عن تراجع قدرتها على فرض خيار المواجهة العسكرية الشاملة. وفي المقابل، حققت إيران مكسبًا سياسيًا مهمًا تمثل في تعطيل سيناريو الحرب، وتثبيت معادلة ردع جديدة، دون أن يعني ذلك انتصارًا نهائيًا أو نهاية للصراع. النتيجة هي حالة توازن حذر، أو تعادل استراتيجي مائل سياسيًا، أعاد تعريف قواعد الاشتباك دون أن يحل جذور الأزمة بشكل كامل.
بالنسبة للمنطقة، وللأردن تحديدًا، فإن هذا المسار يؤكد أهمية الحكمة وضبط الإيقاع في التعامل مع الأزمات. فالشرق الأوسط، وإن كان لا ينعم بسلام مستقر، فقد نجح في تجنب حرب كانت تكلفتها ستطال الجميع بلا استثناء. وفي عالم تتشابك فيه الأزمات وتتداخل المصالح، تبقى مصلحة الدول العليا في تحصين الداخل، وتجنب الانجرار إلى صراعات لا يملك أحد رفاهية حسمها، أو القدرة على تحمل تبعاتها المدمرة.
الدول العظيمة لا تُقاس فقط بما تخوضه من حروب، بل بقدرتها الفائقة على تجنبها حين تصبح تكلفتها أكبر بكثير من أي عوائد محتملة.
*أمين عام سابق.
























