د.يوسف عبيدالله خريسات يكتب: الاسطورة والسياسة
نبأ الأردن -
تولد الأسطورة بعد الهزيمة وتصبح نصرا للشعب المهزوم الذي لا يكتب تاريخ هزيمته ويعوضها بكتابة أسطورة تحول الهزيمة إلى نصر بعيد المدى مرتبط بالمعتقد الديني.
فالتاريخ يكتب بميزان القوة التي لا ترحم الضعفاء أما الأسطورة فتعيد بناء الهزيمة على نحو مختلف وتمنح المهزوم ما حرم منه في الواقع من التماسك والهوية والاستمرار
بعد السبي البابلي كان اليهود أمام انهيار كامل لفكرة العالم وضياع الأرض وسقوط المدينة وهدم المعبد وانقطاع العلاقة بين السماء والأرض في مثل هذه الظروف السرد السياسي وحده لا يكفي لأن السياسة تشرح كيف سقطت الدولة ولا تجيب عن سؤال هل نستمر.
في رحاب الإجابة ظهرت الأسطورة كضرورة نفسية وتاريخية فالهزيمة تتحول إلى عار دائم أما حين تعاد صياغتها ضمن سرد كوني فإنها تأتي على شكل امتحان دنيوي أو عقاب مؤقت في عهد إلهي طويل وبذلك تتحول الكارثة من سقوط سياسي إلى موقف روحي يبعث الأمل في البقاء من جديد
فعندما يفقد شعب أرضه يصنع وطنا داخل النص الاسطوري
والنص في هذه الحالة لا يكون تسجيلا للأحداث وإنما هو إقامة وطن اسطوري خيالي فالوطن الذي لم يعد ممكنا امتلاكه بالسيف أعيد امتلاكه بالكلمة وبالوعد وبالذاكرة المعاد ترتيبها.
ولكن هذه الأساطير لم تخلق من فراغ فاليهود وهم يعيدون بناء سردهم كانوا أبناء الشرق القديم يتنفسون ثقافته ورموزه وقصص الخلق والطوفان والفردوس وصراع الإنسان مع الإله كلها كانت حاضرة في ذاكرة سومر وبابل وكنعان وكل نشأ من خلال إعادة الهزيمة وتشكيلها أسطوريا.
النص التوراتي لم يخترع الميثولوجيا وإنما أعاد تأويلها داخل عقيدة توحيدية صارمة والآلهة المتعددة تحولت إلى إله واحد والفوضى الكونية صارت نظاما أخلاقيا والصراع بين القوى الإلهية تحول إلى صراع بين الإنسان والواجب بهذه العملية لم تلغى الأسطورة وإنما أعيد تهذيبها وإخضاعها لمعنى جديد مناسب للمرحلة
وتكمن عبقرية النص الاسطوري أنه لم ينكر الهزيمة لكنه رفض أن تكون النهاية لم يقل إن السبي لم يحدث بل قال إن السبي جزء من قصة كونية أكبر وبهذا يتحول التاريخ من سجل خسارة إلى سردية انتظار وتحولت الذاكرة من عبء الهزيمة إلى وعد بالنصر.
والأسطورة في هذا الرحاب آلية بقاء إنها الطريقة التي تحمي بها الشعوب نفسها من الانكسار النهائي والهزيمة التي تروى على أنها مرحلة فإنها تؤجل الموت وتفتح باب العودة ولو في الخيال
لهذا ينبغي قراءة الأساطير على أنها وثائق نفسية وسياسية عميقة إنها تكشف كيف تفكر الشعوب وكيف تعيد بناء نفسها حين يسلب منها كل شيء حتى الأرض فقد تسقط المدن وتمحى الدول لكن ما دام النص قائما يبقى الشعب ممكنا
فالتاريخ يكتبه المنتصرون أما الأسطورة فيكتبها من يرفض أن تكون الهزيمة سجله الأخير.

























