د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء(55)

د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء(55)
نبأ الأردن -
هذه ليست حكاية عن غابةٍ بعيدة
ولا عن حيواناتٍ متخيَّلة.

إنها قصة السلطة حين تفقد أخلاقها
والقوة حين تطرد الحكمة
والنبوءة حين تُهمَل… ثم تتحقّق.

في هذه الحلقة من الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء،
نقرأ كيف يبدأ الخراب همسًا
وكيف يصبح التوحّش نظامًا
وكيف تكتشف الغابة-متأخرة-
أن الزئير لا يمنع العاصفة.

(ثلاثية النبوءة)
أولًا: البومة التي طردوها من مجلس الحكمة
في الغابة...

كان مجلس الحكم يُعقَد كلما أراد الأسد أن يطمئن
أن الجميع ما زالوا يصفّقون.
الأسد في الوسط،
الذئب يشرح،
الضبع يضحك
والحمار يكتب البيانات
بلغةٍ أخلاقية عالية النبرة،
منخفضة المعنى.

وفي زاوية شبه معتمة،
كانت هناك بومة.
لا تزأر،
لا تضحك،
لا تصفّق.
كانت فقط… ترى.
قالت البومة ذات مساء:
– ما تفعلونه على الأطراف سيصل إلى القلب.
– من يحكم غيره بالقوة،
سيتعلّم قريبًا أن القوة لا تُطاع… بل تُخشى.
– والخشية بداية الخراب.

ساد صمت ثقيل.
ثم قال الذئب:
– هذا كلام ليليّ لا يصلح لإدارة الغابة.

ضحك الضبع.
وقال الأسد، وهو يضرب الأرض بمخالبه:
– نحن نملك القوة… ومعها الأخلاق.

رفعت البومة رأسها وقالت بهدوء:
– القوة لا تحبّ الشراكة.
منذ تلك اللحظة،
صارت البومة مشكلة.
قيل إن خطابها يُضعف المعنويات.
وإنها تزرع الشك.
وإن الغابة في حالة طوارئ
لا تحتمل الفلسفة.

وفي تصويتٍ سريع،
لم يُسمح فيه للبومة بالكلام،
تقرّر طردها من مجلس الحكمة.
خرجت البومة،
لا مكسورة،
بل متيقّنة.
وقبل أن تطير، قالت:
"النبوءات لا تحتاج إلى تصديق…
يكفي أن تُهمَل."

ضحكوا.
وصفّقوا.
وكتب الحمار بيانًا يقول: "الغابة متماسكة… ولا مكان للتشاؤم."

ومنذ تلك الليلة،
بدأت الغابة تفقد شيئًا،
دون أن تنتبه.

ثانيًا: حين صار التوحّش نظامًا

مرّت السنوات.
في البداية قالوا:
– التوحّش استثناء.
ثم قالوا:
– التوحّش ضرورة.
ثم لم يعودوا يشرحون.
صار القتل "إجراء”.
وصار الصمت "حكمة”.
وصار السؤال "تهديدًا للأمن”.

العصافير التي كانت تدعو،
تعلّمت أن تخفّض صوتها.
والأشجار التي كانت تُقتلع،
قيل عنها إنها خطر محتمل.
حتى الدعاء تغيّر:
لم يعد طلبًا للعدل،
بل رجاءً بتقليل الأذى.

وفي ليلة خانقة،
عادت البومة.
لم تدخل المجلس.
لم تطلب إذنًا.
وقفت على غصنٍ محترق،
وقالت:
لم أعد أحذّركم.
أنتم الآن داخل النبوءة.
لم يفهموا فورًا.
لكنهم شعروا بشيءٍ يتصدّع.

الذئب لم يعد يثق بالذئب.
الضبع صار يضحك بلا سبب.
والأسد
بات يخاف من صمته أكثر من أعدائه.

وسأل صغيرٌ من العصافير:
– لماذا لا يُستجاب الدعاء؟
أجابت البومة:
لأن الدعاء يُرفَع طلبًا للعدل
وأنتم شطبتم العدل من القاموس،
فصار الدعاء بلا عنوان.

لم تسقط الغابة.
لم تنهَر.
لكنها فقدت المعنى.

ثالثًا: حين اكتشف الأسد أن الزئير لا يمنع العاصفة

في تلك الليلة،
زأر الأسد طويلًا.
لم يكن الزئير موجّهًا لأحد،
بل للفراغ.
لم يطمئنه.
لم يخفّف خوفه.
فالزئير-
اكتشف متأخرًا-
لا يمنع العاصفة،
بل يعلن قدومها.
الذئب صار أكثر قسوة،
لأنه خائف.
الضبع أكثر صخبًا،
لأنه فارغ.
والحمار يكتب أكثر،
لأنه لا يعرف ماذا يفعل غير ذلك.

قال أحدهم:
– فلنُعِد البومة.
لكن الوقت كان قد تأخر.
فالنبوءات لا تعود إلى الوراء.

البومة كانت هناك،
لكن أحدًا لم يعد يسمعها.
ليس لأن صوتها خافت،
بل لأن الغابة اعتادت
ألا تسمع إلا نفسها.

وهكذا عاشت الغابة:
قوية،
مسلّحة،
مُحكَمة السيطرة…
وخالية من الرحمة.

غابةٌ لا يُستجاب فيها الدعاء،
لأنها لم تعد تؤمن
إلا بالقوة
ولا تخاطب السماء
إلا بزئيرها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions