وزير المياه الأسبق د.معتصم سعيدان يكتب : ديبلوماسية الماء الأردنية: حنكة الملك عبدالله الثاني من صناعة الشراكات إلى تحصين الأمن المائي المستدام
نبأ الأردن -
في زمنٍ تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على حماية مواردها الحيوية قبل أن تتحول إلى أزمات، قدّم الملك عبدالله الثاني نموذجاً متقدّماً في الديبلوماسية المائية: ديبلوماسية هادئة في أسلوبها، صارمة في أهدافها، تُحسن قراءة التحولات الإقليمية وتحوّل التحديات إلى مسارات إنجاز. فمنذ عام 1999، لم تُدار قضية المياه في الأردن بمنطق ردّ الفعل، بل بمنطق صناعة الخيارات عبر بناء الشراكات، وتثبيت الحقوق، وحشد الدعم الدولي، وربط الأمن المائي بالتنمية والاستقرار والسلام. إنها ديبلوماسية ملكية جعلت من الماء ملفاً سيادياً بامتياز، وأثبتت أن الحنكة السياسية يمكن أن تصنع حلولاً مستدامة حتى في أكثر الملفات حساسية وندرة.
وإذا كانت الديبلوماسية غالباً تُقاس ببياناتٍ ومواقف، فإن ما ميّز هذا النهج أنه تُرجم إلى مشاريع وبُنى وحلول ملموسة—حتى بات يُنظر إليه كمرجعٍ نادر في "سياسة الندرة". و في عالمٍ تتعثر فيه ملفات المياه عند أول خلافٍ حدودي أو تمويلي، تبدو التجربة الأردنية استثناءً لافتاً في تحويل الندرة إلى مسار دولةٍ طويل النفس. إنها قيادةٌ جعلت من الماء لغة تفاوضٍ وبناءٍ في آنٍ معاً، ورفعت هذا الملف من خانة إدارة الأزمة إلى خانة صناعة الأمن الوطني المستدام.
منذ أن تسلّم الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية عام 1999، تعامل مع المياه بوصفها "قضية سيادة” لا مجرد قطاع خدمي؛ فالأردن، في قلب إقليم مضطرب، لا يملك ترف إدارة الندرة بعقلية الطوارئ، بل يحتاج إلى سياسة تُدار بعين الدولة وبأدوات الديبلوماسية. وهكذا تشكّلت خلال ربع قرن ملامح "ديبلوماسية ماء” أردنية تقوم على معادلة دقيقة: تفاوضٌ حيث يمكن انتزاع مكاسب، وحزمٌ حيث يجب تثبيت الحق، وبناءُ بدائل وطنية حين تُغلق الأبواب السياسية.
في هذا السياق، جاء سدّ الوحدة على اليرموك مثالاً مبكراً على تحويل الملفات الحدودية من مساحة احتكاك إلى مساحة منفعة مشتركة؛ فالتعاون الأردني-السوري حول السد لم يكن مشروعاً إنشائياً فحسب، بل رسالة سياسية مفادها أن الشراكة المائية يمكن أن تُخفف التوتر وتمنح الاستقرار معنىً عملياً. ثم انتقل الثقل الاستراتيجي جنوباً إلى مشروع جرّ مياه الديسي، الذي دُشّن عام 2013 كخط إمداد سيادي يمدّ العاصمة والمحافظات بمورد أكثر ثباتاً، ويعيد رسم خريطة الاعتماد المائي في المملكة. ولمّا كان الديسي حوضاً جوفياً عابراً للحدود، استُكملت المعادلة ديبلوماسياً عبر اتفاقية الديسي/الساق مع المملكة العربية السعودية عام 2015، لتثبيت قواعد الإدارة المشتركة لمورد محدود التجدد، وترسيخ منطق "حماية المنبع” قبل أن تتحول الندرة إلى نزاع.
وعلى الضفة الأخرى، كشف تعثر مشروع ناقل البحرين (الأحمر–الميت) حدود السياسة حين تتعقد الحسابات الإسرائيلية ويتداخل التمويل بالاعتبارات الأمنية، فكان الدرس واضحاً: أن الأمن المائي لا يجوز أن يبقى رهينة مزاج إقليمي متقلّب. ومع تصاعد الأزمات—من اللجوء السوري منذ 2011 وما أحدثه من ضغط إضافي على الطلب والخدمات، وصولاً إلى تداعيات حرب غزة منذ أكتوبر 2023 وما جرّته من مخاطر على التمويل والطاقة وسلاسل الإمداد—ازدادت الحاجة إلى قرار وطني طويل النفس، يعزل الماء قدر الإمكان عن الصدمات السياسية.
ثم جاء العامل الأكثر صمتاً والأشد أثراً: التغير المناخي. ارتفاع الحرارة، تذبذب الهطول، واتساع موجات الجفاف والظواهر المتطرفة… كلها جعلت الندرة "أكثر قسوة” وأقل قابلية للتنبؤ. هنا برزت حنكة الديبلوماسية الأردنية في تحويل التحدي إلى فرصة: تقديم مشاريع الأمن المائي الكبرى للعالم باعتبارها مشاريع تكيّف مناخي قبل أن تكون بنية تحتية؛ أي أنها تحمي الاستقرار الإنساني والاقتصادي في دولة تقع على خط تماس المناخ واللجوء والجغرافيا السياسية. هذا الخطاب الدقيق—الذي يجمع الحق بالمنطق، والحاجة بالدليل—فتح بوابات المنح والتمويل الميسر، ووسّع دائرة الشركاء الدوليين.
من قلب هذه الرؤية، تبلور الخيار الاستراتيجي الأوضح: تحلية مياه العقبة والناقل الوطني. مشروعٌ يعيد تعريف مصادر المياه عبر البحر، ويؤسس لأمن مائي طويل الأمد يتجاوز تقلبات الأحواض والحدود، ويمنح الأردن "هامش قرار” أكبر في إدارة مستقبل المدن والاقتصاد. ومع توقيع عقد المشروع في 2025 وتزايد الدعم الدولي له، بدا أن الأردن لا يطلب تمويلاً فقط، بل يبني تحالفاً سياسياً-تنموياً حول فكرة واحدة: أن الماء في الأردن ليس بنداً في الموازنة، بل شرطٌ للاستقرار الإقليمي، وصمام أمان اجتماعي واقتصادي، واستثمار في السلام.
هكذا تُقرأ تجربة الملك عبدالله الثاني: ديبلوماسية هادئة لكنها فعّالة، تُجيد لغة العالم دون أن تُفرّط بثوابت الدولة، وتحوّل الندرة إلى مشروع وطني، والمشروع إلى شبكة شراكات، والشراكات إلى قدرة صمود. وبين سد الوحدة والديسي، وبين تعثر ناقل البحرين وانطلاق الناقل الوطني، تتضح المعادلة الأردنية التي صاغتها القيادة: لا أمن دون أمن مائي… ولا أمن مائي دون ديبلوماسية تُحسن صناعة الخيارات قبل أن تفرض الأزمات شروطها.

























