د. وليد العريض يكتب: كوكبٌ بين كفَّين لوحة: الفنان محمد الدغليس
نبأ الأردن -
ليست هذه لوحةً عن الأرض فحسب،
بل عن الهشاشة.
الأرض هنا ليست كرةً هندسيةً تدور في فراغٍ مطمئن،
بل كائنٌ حيّ
محاصرٌ بهالةٍ من نار
ومعلَّقٌ بين يدين لا تملكان القوة
بل الرجاء.
في هذه اللحظة من التاريخ،
يبدو كوكبنا كفكرةٍ مُنهكة
وكأن الحضارة بلغت ذروة أدواتها
وفقدت معناها.
نملك التكنولوجيا
ونفقد الحكمة.
نملك القوة
ونُفرّط بالأخلاق.
نعيش زمنًا تتراكب فيه الجنونيات:
جنون القوة حين تنفصل عن العقل
وجنون المال حين يتحوّل إلى إلهٍ جديد
وجنون السياسة حين تختزل الإنسان
في رقمٍ أو ورقة ضغط.
في قلب هذا المشهد،
تقف الولايات المتحدة قائدة نظامٍ دوليٍّ مأزوم،
لا لأنه ضعيف،
بل لأنه فقد القدرة على التمييز
بين الهيمنة والاستقرار.
وحين يقود هذا النظام من لا يعرف
ماذا سيفعل غدًا،
يصبح العالم كلّه
رهينة المزاج.
لكن الجنون ليس حكرًا على شخص،
بل على منظومة كاملة:
من صهيونيةٍ استعمارية
حوّلت القتل إلى دفاعٍ عن النفس،
ومن رأس مالٍ متوحّش
يرى في الحرب فرصة،
وفي المناخ صفقة،
وفي الجوع توازنًا ضروريًا.
وفي الجهة الأخرى،
تتشكل تحالفات صلبة:
روسيا، الصين، إيران…
لا بوصفها بدائل أخلاقية،
بل كقوى تملأ فراغًا
خلّفه سقوط المعنى في المركز.
صراع عمالقة
والأرض هي الساحة
والشعوب هي الخسارة المؤجَّلة.
أما المجتمعات،
فتُستدرج إلى صراعاتها الصغرى:
سنيّ وشيعي،
مسلم ومسيحي،
يهودي ومسلم،
شرق وغرب،
ديمقراطية واستبداد…
ثنائيات مبسّطة
تُنتج كراهية سهلة التعبئة
وتُعفي الفاعلين الحقيقيين
من المساءلة.
وفي الخلفية،
يتقدّم عدوٌّ بلا أيديولوجيا:
المناخ،
الكوارث الطبيعية،
الفقر،
الأوبئة،
والسلاح النووي
الذي لم يعد احتمالًا نظريًا
بل خيارًا مطروحًا
في لغة السياسة.
كلُّ هذا يحدث…
وغزّة في المنتصف.
غزّة ليست سبب الفوضى،
بل كاشفتها.
ليست لعنةً على الكوكب،
بل امتحانه الأخلاقي.
هي المرآة التي كشفت
هشاشة النظام الدولي
وانتقائية القيم
وقابلية الإنسان للتواطؤ
حين لا يكون هو الضحية.
فهل غزّة لعنة؟
أم هدية؟
إذا كانت لعنة،
فهي على من جعل القتل سياسة
والصمت حكمة
والازدواجية مبدأ.
وإذا كانت هدية،
فهي هدية قاسية،
تجبر العالم على مواجهة نفسه
وتطرح السؤال المؤجَّل دائمًا:
هل ما زلنا نستحق هذا الكوكب؟
في اللوحة،
لا نرى جيوشًا ولا زعماء،
بل يدين فقط.
الدعاء هنا ليس هروبًا من السياسة،
بل اعترافٌ بفشلها.
وحين يعجز النظام الدولي
عن حماية المعنى،
يصبح الدعاء
آخر أشكال المقاومة الأخلاقية.
يا ربّ…
إن كان هذا الكوكب ما زال قابلًا للحياة،
فأنقذه من جنون الأقوياء،
لا من ضعف الضحايا.

























