د. زهور غرايبة تكتب : جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين… قائد التحوّل الهادئ وباني الدولة الأردنية الحديثة

د. زهور غرايبة تكتب : جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين… قائد التحوّل الهادئ وباني الدولة الأردنية الحديثة
نبأ الأردن -
في عيد ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لا يقف الأردنيون عند مناسبة شخصية لقائدهم، بقدر ما يستحضرون مسارًا وطنيًا امتدّ لأكثر من عقدين، شكّل خلالها جلالته نموذجًا متقدّمًا في القيادة السياسية القائمة على التحديث المتدرّج، والاستقرار الواعي، والإصلاح التراكمي في إقليم شديد الاضطراب.

لقد تسلّم جلالة الملك سلطاته الدستورية في لحظة تاريخية دقيقة، كان فيها الأردن أمام تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، تتطلب إعادة بناء أدوات الدولة الحديثة ولم يكتفي فقط بإدارة الأزمات، ومنذ ذلك الحين، يمكن قراءة عهده بوصفه عهد تحوّل هادئ، لم يعتمد القفزات السريعة أو الحلول الشعبوية، بل اختار مسار الإصلاح العميق القائم على ترسيخ المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية والاجتماعية.

وشهد عهد جلالته تعديلات دستورية متعاقبة هدفت إلى مواءمة الإطار الدستوري مع متطلبات الدولة الحديثة، وتعزيز التوازن بين السلطات، وتكريس مبادئ العدالة والمساواة، بما يدعم المشاركة السياسية، لا سيما للشباب والنساء، ويحفظ كرامة الأسرة الأردنية، ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات.

ولم تكن هذه التعديلات شكلية أو ظرفية، بل شكّلت قاعدة لتحولات تشريعية أعمق، انعكست في تحديث قوانين الأحزاب والانتخاب والإدارة المحلية، في انتقال واضح من الإصلاح الشكلي إلى الإصلاح البنيوي المتدرّج، بما يضمن الاستقرار ويؤسس لمشاركة سياسية أوسع وأكثر فاعلية.

وقد تميّز العهد الملكي بإطلاق حزم إصلاحية متتابعة، ركّزت على توسيع المشاركة السياسية وتعزيز دور الشباب والنساء في الحياة العامة، باعتبارهم ركيزة أساسية في بناء الدولة الأردنية الحديثة، وانعكس هذا التوجه في تطور ملموس لمشاركة النساء في المجال السياسي، حيث ارتفعت نسبة النساء في مجلس النواب من 6.4% عام 2008 إلى 19.6% عام 2024، كما ارتفعت نسبتهن في مجلس الأعيان من 12% إلى 15.6% خلال الفترة ذاتها.

وشكّل تمكين المرأة أحد المسارات الثابتة في المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، حيث انتقل من الخطاب الداعم إلى بناء بيئة تشريعية ومؤسسية تفتح المجال أمام النساء للمشاركة الفاعلة في مواقع القرار، فقد ارتفعت نسبة القاضيات من 6.2% عام 2008 إلى 29.5% عام 2023، في دلالة واضحة على تحوّل القضاء إلى مؤسسة أكثر شمولًا.

كما ارتفعت نسبة المحاميات من 20.5% إلى 33.5% عام 2024، وشهد السلك الدبلوماسي تطورًا لافتًا في تمثيل المرأة، حيث ارتفعت نسبتهن في مختلف المستويات من 17.2% عام 2008 إلى 26.1% عام 2024، فيما سجّل حضور السفيرات تطورًا تدريجيًا، ليصل إلى 14.5% عام 2024 بعد أن كان شبه غائب قبل عام 2010. ويعكس هذا المسار اتساع دائرة الثقة بالكفاءات النسوية في تمثيل الدولة الأردنية داخليًا وخارجيًا.

كما آمن جلالة الملك بأن الإنسان الأردني هو جوهر التنمية وغايتها، ويتجلّى ذلك بوضوح في السياسات التعليمية ومخرجاتها، وتشير بيانات عام 2024 إلى أن الإناث شكّلن 59.9% من خريجي التعليم الجامعي مقابل 40.1% للذكور، فيما ارتفعت نسبتهن في الدراسات العليا إلى 71.4% في الدبلوم العالي، و60.4% في الماجستير، و57.1% في الدكتوراه.

لا تعكس هذه الأرقام تفوقًا عدديًا فقط، إنما تشير إلى تحوّل اجتماعي عميق، يعيد تشكيل بنية سوق العمل والقيادة المستقبلية، ويؤكد نجاح السياسات الداعمة لتكافؤ الفرص والعدالة التعليمية، وهو ما ينسجم مع الرؤى الملكية التي أكدت أن المستقبل المنشود هو ذلك الذي "نستعيد فيه صدارتنا في التعليم، وينطلق فيه شبابنا في آفاق الريادة والابتكار.

وبالجانب الاقنصادي، أطلق جلالة الملك رؤية التحديث الاقتصادي كإطار وطني شامل يربط بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ويضع التشغيل وتمكين الشباب والنساء في صلب السياسات العامة، مع تركيز واضح على الاقتصاد الإنتاجي لا الريعي، وربط الاستثمار بالإصلاح الإداري، بما يعزز الكفاءة والحوكمة، ويحدّ من البطالة، ويحفظ كرامة المواطن الأردني.

ولقد تميّز العهد الملكي لجلالته بالتأكيد المستمر على مبدأ سيادة القانون، واستقلال القضاء، وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار لا على الأشخاص، بما عزّز مفهوم الدولة الحديثة القائمة على المساءلة والشفافية وشكّلت مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص القيم الناظمة لصنع المستقبل، كما أكدت ذلك الخطابات الملكية المتعاقبة والاوراق النقاشية.

وفي إطار بناء الدولة الاجتماعية، شهد القطاع الصحي تحولات تنظيمية وهيكلية هدفت إلى تحسين جودة الخدمات وتوزيعها، وتشير المؤشرات الصحية إلى تحوّل في فلسفة تقديم الخدمات، في سياق إعادة هيكلة المنظومة الصحية، والتركيز على الرعاية الصحية الأولية والوقائية، وتحسين كفاءة الخدمة وجودتها، بما يضع صحة المواطن وكرامته في صلب السياسات العامة.

على الصعيد الخارجي، رسّخ جلالة الملك عبدالله الثاني دور الأردن كصوت عقلاني في الإقليم، وشريك دولي موثوق، ومدافع ثابت عن القضية الفلسطينية والقدس، ونموذج للاعتدال والحوار بين الثقافات والأديان، ورغم محيط إقليمي شديد التقلب، حافظ الأردن على أمنه الداخلي، وطوّر قدرات قواته المسلحة وأجهزته الأمنية، باعتبارها درع الوطن ورمز كرامته وعينه الساهرة.

في عيد ميلاد جلالة الملك أعزه الله، لا يحتفي الأردنيون بعام جديد في عمر قائدهم فحسب، بل بمسار وطني ما زال يتشكّل، تقوده رؤية تؤمن بأن العدالة والمساواة وصون كرامة الإنسان هي أساس الدولة القوية.

كل عام وجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين بخير، والأردن أكثر قدرة على مواصلة مسيرته، وفياً لإرث الهاشميين، وطموحاته التي لا تُقاس بحجم موارده، بل بحجم رسالته.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions