صالح الشرّاب العبادي يكتب : عندما يُدار العالم بالمال: ترامب ونهاية صوت الفقراء

صالح الشرّاب العبادي يكتب : عندما يُدار العالم بالمال: ترامب ونهاية صوت الفقراء
نبأ الأردن -
ما يفعله ترامب اليوم ليس انسحابًا من منظمات دولية، بل انسحابًا من فكرة أن للضعفاء حقًا في الحياة.

حين أعلن دونالد ترامب نيّته الانسحاب من عشرات المنظمات الدولية، كثيرٌ منها يتبع منظومة الأمم المتحدة، حاول البعض اختزال المشهد في خلاف إداري أو مناورة سياسية عابرة. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام مشروع متكامل لإعادة تعريف العالم، لا بمنطق السياسة، بل بمنطق المال.

في عقل ترامب، العالم ليس مجتمع دول، بل سوق مفتوحة. والدول ليست شركاء متساوين، بل أرقام في ميزانيات النفوذ. من يدفع يبقى، ومن لا يملك يُهمَّش أو يُعزل أو يُترك لمصيره. ولهذا بالتحديد أصبحت الأمم المتحدة عبئًا لا ضرورة له، ليس لأنها فشلت فقط، بل لأنها ما تزال، رغم كل عيوبها، تمنح الدول الفقيرة والشعوب الضعيفة صوتًا يزعج الأقوياء.

الأمم المتحدة لم تُستهدف لأنها عاجزة، بل لأنها تمنح شرعية أخلاقية لمن لا يملك المال ولا القوة. لأنها تضع الفقير، نظريًا على الأقل، في مواجهة الغني، وتمنح المظلوم حق الخطاب أمام القوي ، وهذا في منطق السوق خلل يجب تصحيحه، لا مبدأ يجب الدفاع عنه.

ترامب لا يسعى إلى إسقاط الأمم المتحدة رسميًا، فهو يدرك أن ذلك غير ممكن. ما يريده أخطر من الإلغاء ، تحويلها إلى ديكور سياسي، إلى مبانٍ بلا قرار، وتقارير بلا أثر، وشرعية بلا قدرة على الردع. وفي المقابل، يجري العمل على خلق منظومة موازية تُدار خارج القانون الدولي، وخارج أي مساءلة أخلاقية حقيقية.

هنا يظهر ما يُسمّى اليوم بمجلس السلام، ليس كبديل قانوني للأمم المتحدة، بل كأداة التفاف عليها ، مجلس لا يقوم على ميثاق دولي جامع، ولا يعالج جذور الصراعات، بل يدير نتائجها بما يخدم الاستقرار الاقتصادي ومصالح القوى الكبرى. السلام في هذا النموذج ليس عدالة، بل ترتيب أمني يسمح بتدفق المال، وإعادة إعمار وفق شروط المموّل لا حقوق الضحية.

الأخطر في هذا التحول أنه لا يهمّش الدول الفقيرة فحسب، بل يُخرج الشعوب الفقيرة من معادلة القرار الدولي بالكامل. في عالم يُدار بمنطق السوق، من لا يستطيع العيش وفق شروطه لا يستحق الحماية ، الفقر يصبح خطيئة، والضعف عبئًا، والإنسان قيمة ثانوية أمام الأرقام.

هكذا يُعاد تعريف الإنسانية. ليس الإنسان من له حق، بل من له قدرة على الدفع. ومن لا يملك، يُترك للموت البطيء تحت عناوين ناعمة ، الاستقرار، إدارة الأزمات، السلام.

هذه ليست سياسات عابرة، بل فلسفة كاملة تشرعن السيطرة، وتمنح الاحتلال غطاءً اقتصاديًا، وتحوّل التجويع والحصار إلى أدوات ضغط مشروعة ، فلسفة ترى في الشعوب المقهورة مشكلة يجب إدارتها لا إنصافها.

وفي هذا السياق، تبدو فلسطين النموذج الأكثر فجاجة لهذا العالم الجديد. لم تعد قضية تحرر وحق تاريخي، بل ملفًا إنسانيًا قابلًا للإدارة. مساعدات بدل حقوق، إعادة إعمار بدل إنهاء احتلال، وهدوء أمني بدل عدالة. لا يُسأل من احتل، بل من يموّل. ولا يُحاسَب من قتل، بل من يضمن الاستقرار.

هذا ليس سلامًا، بل إدارة للصراع بما لا يزعج الأسواق ولا يربك التحالفات. سلام يُبقي جذور الظلم كما هي، ويؤجل الانفجار على حساب دم الفقراء.

الدفاع عن الأمم المتحدة اليوم ليس دفاعًا عن مؤسسة بيروقراطية مترهلة، بل دفاع عن آخر فكرة تقول إن للضعفاء حقًا في الحياة، وإن للقانون قيمة، وإن المال لا يجب أن يكون معيار الكرامة والمصير.

أما البديل الذي يُراد فرضه، فهو عالم بلا ضمير دولي، تُدار فيه الشعوب بعقلية الشركات، وتُقصى فيه الأمم الفقيرة بهدوء، دون إعلان حرب، ودون شعور بالذنب.

وهذا، في حقيقته، أخطر من الحرب نفسها.

صالح الشرّاب العبادي
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions