د. وليد العريض يكتب:واحات الروح

د. وليد العريض يكتب:واحات الروح
نبأ الأردن -
لوحة الفنان محمد الدغليس – كلمات


ليست هذه لوحةً تُعلَّق على جدار،
بل نافذة تُفتح في القلب.
في ريشة محمد الدغليس لا نرى الطبيعة فحسب،
بل نرى الأردن وهو يستريح،
وهو يخلع عن كتفيه غبار الطريق
ويغمس روحه في ماءٍ يعرفه منذ آلاف السنين.
الواحات هنا ليست تفصيلاً جغرافيًا،
بل عقيدة حياة.
من الأزرق، إلى الطفيلة، إلى رم، إلى عين زارة،
يتكرر المشهد لا بوصفه مكانًا،

بل كمعنى:
أن في هذا البلد-
المحاط بالصحراء-
ماءً لا ينقطع وهواءً نقيًا وطمأنينة لا تُقهر.
الريشة في هذه اللوحة لا تلوّن المشهد،
بل تُنصت إليه.
والقلم—حين يقترب منها—لا يشرحها،
بل يتوحّد معها.
هنا تلتقي الريشة بالقلب،
كما تلتقي مياه الواحات بالرمل،
دون صراع… دون ضجيج…
بل بتفاهمٍ قديم، يشبه العلاقة الأولى بين الإنسان والأرض.
وفي عمق هذا الجمال
يقف نهر الأردن
لا كنهرٍ عابر،
بل كذاكرةٍ مقدّسة.
ماءٌ لم يكن يومًا مجرد ماء،
بل شاهدُ تاريخ،
وحدُّ روح،
وجسرُ معنى بين ضفتين،
وبين شعبين،
وبين قدرين.
كيف لا نقدّس الماء،
ونحن أبناء أرضٍ تعلّمت أن تحيا بالقليل،
وتحلم بالكثير؟
كيف لا نرتبط بهذه التربة،
كما ترتبط الصحراء بالواحات-
مهما قست،
تعرف أن في باطنها وعدًا لا يخون؟

وهنا،
يتسلّل الأمل… لا كخطاب،
بل كيقينٍ هادئ.
كما أن الواحة لا تخون الصحراء،
فإن فلسطين-
شقيقة النهر والبحر-
لن تُخذل.

مهما اشتدّ الاحتلال،
فالماء أقوى من القيد
والأرض تعرف أبناءها
وتنتظرهم… بصبرٍ أخضر.

الأردن - في هذه اللوحة، وفي هذا الوجدان-
ليس جغرافيا فقط،
بل الأردن
هو سياج الروح الأخير،
السياج الذي لا يُشق
ولا يُخرق
ولا يُساوَم عليه.

سياج من ماء وهواء وتاريخ
ومن وعيٍ يعرف أن الأمل لا يُهزم.

هذه هي الراحة النفسية الحقيقية:
أن تجلس أمام لوحة،
فتشعر أن الأرض ما زالت حيّة
وأن الماء ما زال نقيًا
وأن التحرير-مثل الربيع-
قد يتأخر…
لكنه آتٍ لا محالة.
وهكذا،
كما تلتقي الريشة بالقلم،
تلتقي الأرض بذاكرتها
ويظل الأمل جاريًا…
كواحةٍ تعرف طريقها في قلب الصحراء.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions