م.صلاح طه عبيدات يكتب: التوجيهات الملكية بإعادة هيكلة الجيش العربي الأردني المغوار: حين يفكّر الجيش قبل أن يقاتل

م.صلاح طه عبيدات يكتب: التوجيهات الملكية بإعادة هيكلة الجيش العربي الأردني المغوار: حين يفكّر الجيش قبل أن يقاتل
نبأ الأردن -
تُقاس قوة الدول بما تملكه من سلاح على المستوى التقليدي طبعا.

أما في الأزمنة المفصلية، فتُقاس بما تعرفه عن نفسها، وبقدرتها على إعادة تعريف أدواتها قبل أن تُستنزف بها.
رسالة إعادة هيكلة الجيش العربي الأردني لا تنتمي إلى زمن البيانات العسكرية، بل إلى زمن إعادة التفكير في معنى الجيش ذاته. فهي لا تسأل: كم نملك؟ بل تسأل: كيف نكون؟
ولا تبحث عن التفوق، بل عن الملاءمة؛ الملاءمة مع زمنٍ لم تعد فيه الحروب تبدأ بإعلان، ولا تنتهي باتفاق.
لم يعد العدو دائمًا جيشًا يقف على حدود، بل قد يكون فكرة، أو شبكة، أو خللًا داخليًا، أو فراغًا في القرار. ومن هنا، فإن الدعوة إلى بناء جيش رشيق ورقمي ليست نزوة تقنية، بل اعتراف عميق بأن الثقل لم يعد ضمانة للبقاء، وأن البطء في عالم سريع شكلٌ آخر من الهزيمة.
التحول المنشود لا يستهدف تقليص المؤسسة، بل تحريرها من زوائدها، وإعادة توجيه طاقتها من الاستهلاك إلى الأثر. جيش أقل ضجيجًا، أكثر وعيًا، وأشد حضورًا حين يجب أن يحضر. جيش لا يتحرك بدافع الخوف، بل بمنطق الردع، ولا يبالغ في الاستعراض، لأنه يعرف أن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان دائم.
وحين تُوضع التكنولوجيا في قلب هذا التحول، فإن المقصود ليس استبدال الإنسان بالآلة، بل تخفيف كلفة الإنسان في المعركة. فالحروب الحديثة لا تكافئ الشجاعة المجردة، بل تكافئ من يرى أولًا، ويفهم أسرع، ويمنع الصدام قبل أن يقع. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي امتدادًا للعقل الاستراتيجي، لا بديلًا عنه، وتغدو المعلومة سلاحًا لا يقل فتكًا عن الرصاصة.
أما الحديث عن الاحتياط واللوجستيات، فهو اعتراف صريح بأن المعارك لا تُحسم في لحظتها الأولى، وأن الجيوش التي لا تُتقن فنّ الاستمرار، تُهزم بالزمن لا بالعدو. فالقدرة على الإمداد، وإدارة الموارد، والحفاظ على الجاهزية، أصبحت معيارًا أخلاقيًا بقدر ما هي معيار عسكري: أخلاقي لأنها تقلّل الفوضى، وتمنع الانهيار، وتحمي المجتمع من ارتدادات الحرب.
وفي ربط الصناعات الدفاعية بالمؤسسة العسكرية، تتجاوز الرسالة مفهوم الأمن التقليدي، لتدخل فضاء السيادة. فالدولة التي لا تنتج جزءًا من أمنها، ستظل رهينة لأسواق الآخرين وتحالفاتهم وتقلباتهم. هنا، يتحول الجيش من مستهلك للموارد إلى محرّك للمعرفة، ومن عبء مالي إلى فرصة اقتصادية، دون أن يفقد جوهره كحارس للحدود والمعنى.
لكن أكثر ما يلفت في الرسالة، هو هدوؤها حين تقترب من أكثر الملفات حساسية: الحوكمة. فالقوة التي لا تخضع لمنطق الدولة، تضعف الدولة حتى لو بدت قوية. وإعادة تنظيم الصناديق والاستثمارات ليست مسألة مالية، بل إعلان ضمني أن الشرعية في العصر الحديث لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالعدالة والكفاءة والشفافية.
في المحصلة، لا تسعى هذه الرؤية إلى إعداد الأردن لحرب، بل إلى تفاديها. فالدول التي تفكر بعمق، تقلّ احتمالات أن تُفاجأ، والدول التي تُحسن إدارة قوتها، تُجبر الآخرين على التفكير ألف مرة قبل اختبارها.
هكذا، لا يُعاد بناء الجيش فقط، بل تُعاد كتابة علاقة الدولة بالقوة، والعقل بالقرار، والسلاح بالسيادة.
وفي عالمٍ ينهار فيه الكثيرون تحت ثقل ما يملكون، قد يكون أخطر أشكال القوة هو أن تعرف متى لا تستخدمها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions