محمد الخطيب يكتب: الدبلوماسية الاقتصادية الأردنية في الرياض: حين تتحوّل السفارة إلى منصة استثمار
نبأ الأردن -
لم تعد الدبلوماسية في عالم اليوم مقتصرة على البيانات السياسية والمجاملات البروتوكولية، بل باتت تقاس بقدرتها على فتح الأسواق، وجذب الاستثمارات، وبناء الشراكات، وتحويل العلاقات الأخوية إلى مشاريع وفرص عمل ونمو اقتصادي مستدام.
وفي هذا السياق، تبرز التجربة الأردنية في المملكة العربية السعودية نموذجاً عملياً لما يمكن أن تصنعه الدبلوماسية الاقتصادية الواعية حين تقترن بالرؤية والمتابعة والعمل الميداني.
ففي الرياض، لا تبدو السفارة الأردنية مجرد بعثة تمثيلية تقليدية، بل منصة نشطة للتشبيك الاقتصادي، وبيتاً مفتوحاً لرجال الأعمال، ومحطة تنسيق دائمة بين مؤسسات القطاعين العام والخاص في البلدين. ويقف خلف هذا النهج سعادة السفير الدكتور هيثم أبو الفول، الذي أعاد، بهدوء واحتراف، تعريف دور الدبلوماسي بوصفه شريكاً في التنمية، لا مراقباً من بعيد.
اللقاء الأخير الذي جمع رئيس وأعضاء مجلس إدارة غرفة تجارة عمّان مع السفير أبو الفول في مقر السفارة بالرياض، لم يكن لقاء مجاملة عابراً، بل محطة ضمن مسار متكامل من العمل الاقتصادي المنظم.
حديث رئيس الغرفة العين خليل الحاج توفيق عن "أثر الدبلوماسية الاقتصادية الأردنية الحديثة” لم يأت من فراغ، بل من تجربة ملموسة بدأ القطاع الخاص الأردني يقطف ثمارها في تسهيل اللقاءات، وفتح القنوات، وتذليل العقبات، وربط المستثمر الأردني بنظيره السعودي والمؤسسات المعنية.
أهمية هذا الدور تتضاعف في لحظة إقليمية واقتصادية دقيقة، تتطلب من الدول الصغيرة والمتوسطة – كالأردن – أن تحسن توظيف علاقاتها الاستراتيجية، وأن تحوّل الثقة السياسية إلى عوائد اقتصادية مباشرة.
والسعودية، بما تمثله من ثقل اقتصادي إقليمي، ورؤية تنموية طموحة، وسوق واسعة، تشكل شريكاً طبيعياً لأي استراتيجية أردنية جادة في جذب الاستثمار وتعزيز الصادرات وبناء سلاسل توريد متكاملة.
من هنا، يكتسب دعم السفارة في إطلاق شبكة الأعمال الأردنية–السعودية، ومتابعة توقيع مذكرة التفاهم بين غرفتي تجارة عمّان والرياض، بعداً يتجاوز الشكل إلى الجوهر. فهذه الخطوات ليست أحداثاً بروتوكولية، بل أدوات عملية لتأسيس تعاون طويل الأمد، قائم على التشبيك المؤسسي، وتبادل المعلومات، وتحفيز الاستثمار المشترك، وتسهيل دخول الشركات الأردنية إلى السوق السعودي بثقة ومعرفة.
كما يحسب للسفير أبو الفول إدراكه لأهمية رأس المال البشري الأردني في المملكة العربية السعودية، والتعامل مع الكفاءات الأردنية العاملة هناك بوصفها "رصيداً وطنياً استراتيجياً”، قادراً على نقل الخبرة، وبناء الجسور، وتعزيز الثقة، وتوسيع شبكة العلاقات الاقتصادية. وهي مقاربة ذكية تجمع بين الدبلوماسية التقليدية ودبلوماسية الموارد البشرية والاقتصادية في آن واحد.
إن ما يجري في الرياض اليوم يعكس تحولاً في فلسفة العمل الدبلوماسي الأردني، من تمثيل سياسي إلى شراكة تنموية، ومن إدارة علاقات إلى صناعة فرص. وهذا التحول لا يتحقق بالخطابات وحدها، بل بالعمل اليومي الصامت، والاجتماعات المتواصلة، والمتابعة الدقيقة لملفات المستثمرين، والقدرة على التوفيق بين المصالح، وتقديم الأردن كشريك موثوق ومستقر وجاذب.
في زمن تتنافس فيه الدول على الاستثمار كما تتنافس على النفوذ، تصبح الدبلوماسية الاقتصادية خط الدفاع الأول عن الاقتصاد الوطني، وخط الهجوم الأذكى نحو الأسواق الخارجية. وما يقدمه السفير الدكتور هيثم أبو الفول وفريق السفارة الأردنية في الرياض، هو نموذج عملي على أن السفارة يمكن أن تكون مصنع فرص، لا مجرد عنوان بريدي للدولة.
إنها تجربة تستحق الإضاءة، ليس من باب الإشادة الشخصية فحسب، بل لتكريس ثقافة مؤسسية جديدة في العمل الخارجي الأردني، قوامها أن السياسة تخدم الاقتصاد، والاقتصاد يعزز الاستقرار، والاستقرار يصنع مكانة الدولة.

























