م.صلاح طه عبيدات يكتب : منتدى دافوس الاقتصادي العالمي ومشاركة سمو ولي العهد الأمير حسين
نبأ الأردن -
لم يعد الحضور مجرد تمثيل رمزي أو مشاركة شكلية في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بل بات فعلًا سياسيًا محسوبًا يعكس وعي الدول بموقعها في عالم سريع التحول. وفي هذا السياق، جاءت مشاركة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني مشاركة واعية بطبيعة اللحظة الدولية، وبحساسية الملفات التي باتت تشكّل جوهر النقاش الاقتصادي والسياسي العالمي.
المنتدى هذا العام لم يكن ساحة لعرض أرقام النمو بقدر ما كان منصة لطرح الأسئلة العميقة حول مستقبل النظام العالمي. الذكاء الاصطناعي لم يُناقش كأداة تقنية فحسب، بل كقضية حوكمة وعدالة وتأثير مباشر على سوق العمل. الطاقة طُرحت من زاوية الأمن الوطني والاستقلال الاستراتيجي، لا من منطق السوق فقط. التغير المناخي قُدّم باعتباره عاملًا حاسمًا في الاستقرار الاقتصادي والسياسي، فيما عاد ملف اللاجئين ليشكّل اختبارًا أخلاقيًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على تقاسم الأعباء.
ضمن هذا الإطار، عكست المشاركة الأردنية وعيًا بطبيعة الدور الذي يمكن للأردن أن يلعبه، لا بحكم حجمه الاقتصادي، بل بحكم خبرته المتراكمة في إدارة الأزمات، وقدرته على الحفاظ على الاستقرار في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. هذا الوعي تجلّى في التركيز على القضايا التي تمس جوهر التحدي الأردني: الأمن المائي كمسألة سيادية، الطاقة المتجددة كخيار استراتيجي لا ترفًا بيئيًا، والاستثمار في الإنسان والمهارات كأصل وطني طويل الأمد.
كما حملت المشاركة إدراكًا بأن ملف اللاجئين لا يمكن الاستمرار في تناوله من زاوية إنسانية بحتة، بل ضمن إطار تنموي وشراكات دولية عادلة، تضمن تقاسم الأعباء وتحويل التحدي إلى فرصة للنمو والاستقرار. وهو طرح ينسجم مع التحول العالمي في التفكير، حيث باتت الحلول الجزئية غير قادرة على معالجة أزمات عابرة للحدود.
الأهم أن هذه المشاركة جاءت مدركة لطبيعة منتدى دافوس نفسه؛ فهو لا يقدّم حلولًا جاهزة، ولا يمنح الدول ما لم تطلبه بوضوح. لذلك، فإن قيمة الحضور لا تُقاس بعدد اللقاءات أو الصور، بل بمدى القدرة على إيصال رسالة واضحة، وفتح مسارات تعاون حقيقية، وربط الحوار الدولي بأولويات وطنية قابلة للتحول إلى سياسات ومشاريع.
على المستوى الوطني، تعكس هذه المشاركة فهمًا بأن النتائج لا تكون فورية، بل تراكمية، تقوم على شراكات ذكية، واستثمارات نوعية، ونقل معرفة يخدم الواقع الأردني لا نماذج مستوردة. وعلى المستوى العالمي، تؤكد أن الأردن يقدّم نفسه كدولة عقلانية، تبحث عن التوازن لا الاستقطاب، وعن الحلول لا المغامرات.
في المحصلة، جاءت مشاركة سمو ولي العهد في دافوس تعبيرًا عن وعي سياسي واقتصادي بطبيعة المرحلة، ورسالة مفادها أن الأردن حاضر في النقاش العالمي بقراءة هادئة وعميقة، تدرك أن المستقبل لا يُدار بردود الأفعال، بل برؤية واضحة، وحوار ذكي، وقدرة على تحويل الفرص الدولية إلى خيارات وطنية مستدامة.

























