د. وليد العريض يكتب: الإمبراطوريات لا تموت فجأة… بل تُفضَح
نبأ الأردن -
(قراءة أدبية في أفول القطب الواحد وتحولات النظام الدولي)
...
لم تسقط الإمبراطوريات العظمى يومًا حين كانت في ذروة قوتها،
بل حين فقدت قدرتها على إقناع الآخرين بأنها جديرة بتلك القوة.
فالقوة قد تُخيف، لكنها لا تُقنع،
والهيمنة قد تُفرض، لكنها لا تدوم ما لم تُغطَّ بشرعيةٍ أخلاقية أو سردية كبرى.
هكذا، وعلى هذا النحو تحديدًا، يمكن قراءة مسار الولايات المتحدة في العقود الأخيرة:
لا بوصفه سقوطًا مدوّيًا، بل بوصفه انكشافًا تدريجيًا،
تآكلت فيه الأسطورة قبل أن تتراجع القدرة.
حين صدّق القطب الواحد روايته
خرجت أمريكا من الحرب الباردة وهي تعتقد أن التاريخ قد قرر التقاعد،
وأنها أصبحت الراوي الوحيد لما هو صواب،
وأن العالم لم يعد بحاجة إلى توازن، بل إلى وصاية.
ثلاثة عقود من التفرد بالقرار الدولي،
من الحروب الاستباقية،
ومن تصدير القيم عبر القاذفات،
لم تُنتج عالمًا أكثر أمنًا،
بل عالمًا أكثر شكًّا…
وأمريكا أكثر توترًا.
لم يعد السؤال المطروح: من الأقوى؟
بل: من يُصدَّق؟
حين تصبح الحقيقة عبئًا على الإمبراطورية
ثم جاء دونالد ترامب،
لا كحادثٍ طارئ،
بل كـ اعترافٍ غير مقصود.
لم يغيّر جوهر السياسة الأمريكية،
بل قالها بلا رتوش:
الحلفاء أدوات،
القيم شعارات،
والعالم صفقة مفتوحة.
كرهته النخب،
لا لأنه انحرف عن الخط،
بل لأنه كشف الخط نفسه.
في تلك اللحظة، لم تُهزم أمريكا،
لكنها فقدت هيبتها السردية،
والإمبراطوريات تعيش بالسرد بقدر ما تعيش بالقوة.
إسرائيل: من أصلٍ استراتيجي إلى عبءٍ أخلاقي
طوال عقود، شكّلت إسرائيل حجر زاوية في المشروع الغربي:
قاعدة متقدمة،
حليفًا مضمونًا،
وسردية جاهزة عن "الديمقراطية في محيط معادٍ”.
لكن السرديات، كالنقود،
تفقد قيمتها حين تُتداول أكثر مما تحتمل.
غزة لم تغيّر ميزان السلاح،
لكنها غيّرت ميزان المعنى.
لم تُسقط إسرائيل عسكريًا،
لكنها أسقطتها أخلاقيًا من منصة التبرير.
ومنذ تلك اللحظة،
بدأ الحلفاء يحسبون الكلفة،
لا بدافع الضمير وحده،
بل بدافع السياسة الباردة.
أوروبا: التردّد الذي يسبق الانفصال
لم تتمرّد أوروبا،
لكنها لم تعد مطمئنة.
فرنسا تناور.
ألمانيا تحسب المسافة.
والتحالفات الأطلسية تبدو كجسدٍ يعيش على الذاكرة أكثر مما يعيش على الحيوية.
لم يعد السؤال الأوروبي: كيف نخدم القيادة الأمريكية؟
بل: إلى متى؟ وبأي ثمن؟
الشرق الصاعد… بلا استعجال
في المقابل، لا أحد يهرول.
الصين لا ترفع صوتها،
وروسيا لا تشرح خططها.
كلاهما يعرف أن الإمبراطوريات لا تُدفع إلى السقوط،
بل تُترك لتنهك نفسها.
الزمن هنا ليس عامل ضغط،
بل أداة عمل.
والصبر استراتيجية،
لا ضعفًا.
الديون بدل الجيوش
سبعة وثلاثون تريليون دولار من الديون،
رقم لا يليق بإمبراطورية تدّعي قيادة العالم،
بل بدولة تؤجل المواجهة مع الواقع.
لم تعد القوة تُقاس بعدد حاملات الطائرات وحدها،
بل بالقدرة على الإقناع،
وعلى الحفاظ على صورة مقبولة في أعين الآخرين.
وهنا تحديدًا،
بدأت الإمبراطورية تُفضَح،
لا لأنها ضعفت،
بل لأنها فقدت الغطاء الأخلاقي الذي كان يبرر قوتها.
الخلاصة: نهاية الوهم لا نهاية الدولة
لن تختفي أمريكا من الخريطة،
ولن تنهار إسرائيل غدًا.
لكن ما انتهى هو وهم التفوق الأخلاقي،
ووهم القيادة الطبيعية،
ووهم أن القوة تكفي لصناعة الشرعية.
نحن لا نعيش سقوط إمبراطورية،
بل تحرر العالم من أسطورتها.
وحين تفقد الإمبراطوريات قدرتها على الإقناع،
لا تحتاج إلى أعداءٍ لإسقاطها…
فهي تتكفّل بفضح نفسها بنفسها.

























