م.صلاح طه عبيدات يكتب: الاقتصاد الدائري والبصمة الكربونية: من ترفٍ بيئي إلى ضرورة سيادية في الأردن والمنطقة العربية

م.صلاح طه عبيدات  يكتب: الاقتصاد الدائري والبصمة الكربونية: من ترفٍ بيئي إلى ضرورة سيادية في الأردن والمنطقة العربية
نبأ الأردن -
لم يعد الكوكب يصغي إلى خطاباتنا، ولا ينتظر بياناتنا الختامية. الأرض تتكلم بلغتها الخاصة: شحٌّ في الماء، اضطراب في المناخ، وفواتير طاقة تُرهق الدول قبل الأفراد. وفي هذا الضجيج الصامت، لم يعد الاقتصاد الدائري ترفًا فكريًا يُتداول في قاعات المؤتمرات، ولا البصمة الكربونية رقمًا تقنيًا يُدفن في تقارير سميكة، بل تحوّلا إلى سؤال وجودي: كيف نعيش دون أن نستهلك حق من سيأتون بعدنا؟
الاقتصاد الخطي، ذلك الابن المدلل للحداثة المتعجلة، علّمنا أن نأخذ أكثر مما نحتاج، وأن نرمي أكثر مما نحتمل، وأن نُسمّي الهدر نموًا. لكنه، ككل الأفكار التي تتغذى على النسيان، ترك خلفه مدنًا تختنق، وأرضًا تُستنزف، وإنسانًا يشعر بأن الحياة أغلى من أن تُدار بعقلية الاستهلاك الأعمى. هنا، يولد الاقتصاد الدائري لا كنظرية اقتصادية، بل كفلسفة نجاة، تعيد للموارد ذاكرتها، وللإنسان مسؤوليته.
أما البصمة الكربونية، فهي المرآة التي لا تجامل. لا تسألنا عمّا نُعلن، بل عمّا نفعل. تقيس أثر خطواتنا الثقيلة على صدر الأرض، وتُذكّرنا بأن كل قرار اقتصادي يترك ظلًا، وكل مشروع بلا وعي يخلّف عبئًا لا يُرى إلا حين يفوت الأوان. هي حساب أخلاقي بقدر ما هي معادلة علمية، تضع الحقيقة في مواجهة الراحة، والنتيجة في مواجهة النية.
في الأردن، تتكثف الأسئلة كما تتكثف التحديات. بلدٌ يعرف أن موارده محدودة، وأن اعتماده على الخارج ليس خيارًا بل واقعًا، ومع ذلك لا يزال يتعامل مع البيئة وكأنها ملف هامشي. هنا، يصبح الاقتصاد الدائري امتحانًا للجدية الوطنية: هل نملك شجاعة الانتقال من إدارة النقص إلى إدارة الذكاء؟ من رمي المخلفات إلى استثمارها؟ من استيراد الحلول إلى تصنيعها محليًا؟ إن تحويل النفايات إلى قيمة، والمياه المعالجة إلى حياة، والطاقة الشمسية إلى سيادة، ليس حلمًا بيئيًا، بل مشروع كرامة اقتصادية.
وما ينطبق على الأردن، ينسحب بعمق أكبر على المنطقة العربية. منطقة دفعت أثمان التغيّر المناخي دون أن تكون شريكًا رئيسيًا في صناعته، وتواجه اليوم معضلة مزدوجة: كيف تحمي اقتصادها، وكيف تحمي مستقبلها في عالم يعيد تعريف القوة بمعايير خضراء. الاقتصاد الدائري هنا ليس تهديدًا لنموذج الريع، بل فرصة لتحريره من هشاشته، وإعادة توجيه الثروة نحو إنتاج مستدام لا يحترق مع أول أزمة.
غير أن التحول الحقيقي لا يبدأ من المصانع ولا من التشريعات وحدها، بل من العقل الجمعي. من كسر وهم أن التنمية تعني الاستنزاف، وأن الوفرة تُقاس بما نملك لا بما نحافظ عليه. اقتصاد دائري بلا ثقافة مساءلة، وبلا شفافية في حساب البصمة الكربونية، سيظل زخرفة لغوية على واجهات السياسات، لا روحًا تسري في جسد الدولة.
في المحصلة، نحن أمام مفترق فلسفي لا تقني. إما أن نستمر في معادلة قصيرة النظر، تربح اليوم وتخسر الغد، أو أن نعيد هندسة علاقتنا بالموارد، فنربح الزمن نفسه. الاقتصاد الدائري ليس طريقًا بديلاً، بل الطريق الأخير قبل أن تغلق الأرض أبوابها بصمت. أما البصمة الكربونية، فهي شهادة حضورنا في هذا العالم: إما أن تكون أثرًا يُحتذى… أو عبئًا يُمحى.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions