احمد الرفاعي يكتب: مصر بين غزة وسد النهضة: حين يتحول الحق من شعار إلى استراتيجية نفوذ إقليمي
نبأ الأردن -
في السياسة، ليس صاحب الحق هو من يرفع الشعارات فقط، بل من يعرف كيف يدير ملفاته بعقل الدولة لا بعاطفة مؤقتة. فالتمسك بالحق دون قراءة دقيقة لموازين القوى قد يشعرك بالانتصار للحظات، بينما قد يتحول هذا الحق إلى عبء يعزل صاحبه ويغلق أمامه جميع الأبواب، أما صاحب الحق الذي يتنازل عن بعضه ضمن رؤية مستقبلية واضحة، بحثاً عن منفعة أعظم لشعبه وأمته، فهو لن يكون خاسرا بل سيرتقي الى مستوى أعظم لتحقيق فعل تاريخي ومسؤول.
التنازل الواعي ليس ضعفاً، بل هو أعلى درجات القوة السياسية، هو انتقال من منطق الصدام إلى منطق صناعة الممكن، ومن ثقافة الشعارات إلى ثقافة النتائج. فالدول التي صنعت مستقبلها لم تفعل ذلك لأنها تمسكت بكل شيء، بل لأنها عرفت ماذا تُمسك ومتى، وماذا تؤجّل ومتى، وماذا تساوم عليه لتحقق مكسباً استراتيجياً طويل الأمد يتجاوز اللحظة الراهنة.
ومصر اليوم تقدم نموذجاً عملياً لهذه المعادلة. فرغم أنها تخوض أحد أخطر نزاعاتها الاستراتيجية مع إثيوبيا حول نهر النيل وسد النهضة، ورغم التوترات الإقليمية المعقدة في محيطها المباشر، اختارت القيادة المصرية أن تتحمل عبء الوساطة في وقف الحرب على غزة، وأن تضع ثقلها السياسي والأمني والدبلوماسي في خدمة مسار تفاوضي يخفف الكارثة الإنسانية ويمنع انفجاراً إقليمياً واسعاً.
مصر لم تتعامل مع غزة بمنطق تسجيل المواقف، بل بمنطق الدولة العميقة التي تفهم أن استقرار الإقليم هو جزء من أمنها القومي المباشر، وأن إدارة الحق الفلسطيني بعقلانية استراتيجية تفتح لها أبواب نفوذ واحترام لا تمنحها لغة الشعارات وحدها، وهذا الدور لم يمر دون مقابل سياسي فقد نالت مصر احترام الإدارة الأمريكية التي بعثت برسالة تقدير واضحة للرئيس المصري على مواقفه المتزنة، وقدمت نفسها وسيطاً في النزاع المصري – الإثيوبي حول سد النهضة، في اعتراف مباشر بثقل مصر الإقليمي وبحكمة إدارتها لملفات شديدة الحساسية.
الفكرة الجوهرية هي: حين تتنازل عن بعض أولوياتك التكتيكية لصالح مصلحة استراتيجية أكبر، فإنك لا تخسر حقك، بل تعيد تدويره في ميزان القوة. فمصر لم تتخلَّ عن حقها في مياه النيل، لكنها أدركت أن إدارة هذا الملف تمر عبر بناء شبكة احترام دولي ونفوذ سياسي، لا عبر الصدام وحده. ومن خلال وساطتها في غزة، فتحت لنفسها أبواباً جديدة في واشنطن والعواصم المؤثرة، لتحوّل حقها المائي من ملف نزاع معزول إلى قضية إقليمية تحظى برعاية دولية جادة.
وفي منطقتنا الملتهبة الممتد من غزة إلى دمشق، ومن بيروت إلى بغداد، لم تعد المعارك تُحسم بالسلاح وحده، بل بالقدرة على فتح مسارات تفاوض جديدة تعيد ترتيب المصالح وتوازنات القوى. هنا يصبح التنازل المدروس أداة استراتيجية، يفتح أبواب المفاوضات الإقليمية، ويحوّل الحق من مجرد قضية أخلاقية إلى مشروع سياسي قابل للحياة، ينعكس ايجابا على استقرار المنطقة برمتها.
إن من يتعامل مع الحقوق بمنطق "إما الكل أو لا شيء” يضع نفسه في زاوية سياسية ضيقة، ويمنح خصومه فرصة إدارة اللعبة وحدهم. أما من يتعامل معها بمنطق "الربح المتراكم”، فهو من يصنع التحولات الكبرى، ويعيد تعريف النصر باعتباره قدرة على انتزاع المستقبل لا مجرد تسجيل موقف في الحاضر.
هكذا تُدار الحقوق بعقل الدولة، وهكذا تُصنع التحولات الكبرى، ليس بالعناد، بل بالحكمة؛ ليس بالشعارات، بل بالاستراتيجية؛ وليس بالانغلاق، بل بفتح الأبواب نحو مفاوضات إقليمية تعود بالنفع على الشعوب، وتمنح صاحب الحق احتراماً، ونفوذاً، ومستقبلاً يستحق أن يُبنى.
احمد الرفاعي 17/01/2026

























