د.أمجد الفاهوم يكتب : بين الخبر والمسؤولية يتشكل وعي الموظف العام

{title}
نبأ الأردن -
يتحوّل الإعلام في حياة الموظف العام من متابعة عابرة إلى عنصر حاضر في تفاصيل العمل اليومية. يقرأ الموظف الخبر وهو يفكّر بما وراء السطور، ويتابع التصريح رابطًا إياه بملفه ومسؤوليته، ويتعامل مع المعلومة لا بوصفها خبرًا منتهيًا، بل باعتبارها إشارة أولى لمسار قد يتشكّل لاحقًا. وهكذا، يرافق الإعلام الموظف إلى مكتبه، ويتسلّل إلى نقاشاته، ويؤثر تدريجيًا في نظرته لما هو قادم.

ومن هذا المنطلق، يتعامل الموظف مع الأخبار الرسمية بحذر مهني يشبه مراقبة تغيّر الطقس قبل بدء يوم عمل طويل. يفتح تصريح واحد باب تساؤلات داخلية، بينما يحرّك خبر قصير سلسلة مراجعات لإجراءات اعتاد عليها. ومع تراكم التجربة، يدرك كثير من الموظفين أن الإعلام لا يقف خارج المؤسسة، بل يسبقها أحيانًا في كشف اتجاهاتها العامة.

وفي الوزارات الخدمية، يواجه الموظف ضغطًا يوميًا تصنعه التغطيات الإعلامية وتفاعل الجمهور معها. يستقبل شباك الخدمة انعكاس الخبر، ويتلقى الهاتف أثر التقرير، فيشعر الموظف أن الإعلام حاضر في كل تفصيل من تفاصيل العمل. عند هذه النقطة، يختار بعضهم تجاهل هذا الواقع فيزداد التوتر، بينما يختار آخرون قراءة النقد بعقل هادئ، فيحوّلونه إلى دافع لتحسين الأداء لا إلى حالة دفاع مستمرة. ويفرض الإعلام نفسه هنا مرآة قاسية أحيانًا، لكنه يدفع إلى تصحيح المسار حين يُقرأ بوعي مهني.

وبحساسية أكبر، يتعامل الموظف العام مع ملفات الإصلاح الإداري والترهل الوظيفي حين تُطرح إعلاميًا. يشعر بثقل الصورة العامة، ويدرك أن الرأي العام لا يميّز دائمًا بين الملتزم والمقصّر. ويدفع هذا الإحساس كثيرين إلى التشبث بجودة العمل، لا خوفًا من المساءلة، بل حفاظًا على كرامة المهنة. ويثبت الواقع أن تحسين الإجراء وتبسيط المعاملة يقدّمان ردًا عمليًا أبلغ من أي تبرير أو خطاب دفاعي.

وفي الجانب الإنساني، يستعيد الموظف شيئًا من المعنى حين يطالع قصصًا إعلامية تُنصف الجهد الصامت. يقرأ عن موظف تجاوز الروتين لخدمة مواطن، أو عن فريق عمل خفّف معاناة طال انتظارها، فيشعر أن الوظيفة العامة ما زالت قادرة على إنتاج قيمة إنسانية. وتكسر هذه القصص شعور الجمود، وتعيد شحن الدافعية لدى زملاء المهنة الذين أثقلتهم التفاصيل اليومية.

وفي السياق ذاته، يتابع الموظف القضايا الاقتصادية والمالية بتركيز خاص، لما لها من أثر مباشر على بيئة العمل والاستقرار المؤسسي. يقرأ الموازنات لا بوصفها أرقامًا مجردة، بل قيودًا وإمكانات تحدد ما يمكن فعله. وتساعده التغطيات الإعلامية المتوازنة على فهم خلفيات القرار المالي، كما تمنحه قدرة أكبر على التواصل الواقعي مع الجمهور دون إنكار أو تهويل.

وعندما يعرض الإعلام تجارب دولية في الإدارة والتحول الرقمي، ينفتح وعي الموظف على آفاق أوسع. يكسر الاطلاع على هذه النماذج الإحساس بالعزلة، ويدفعه للتساؤل عما يمكن تطبيقه محليًا ضمن حدود الممكن. ومن هذا الوعي، تنشأ مبادرات بسيطة تبدأ بفكرة داخل مكتب، ثم تتطور تدريجيًا إلى ممارسة معتمدة، لا بقرار مفاجئ، بل بتراكم القناعة.

وفي المحصلة، يدرك الموظف أن الإعلام ليس خصمًا دائمًا ولا حليفًا مطلقًا. يتعامل معه كأداة، فيربكه حين يقرأه بانفعال، ويعلّمه حين يقرأه بتحليل. ويوازن بين الخبر والحكم، وبين النقد والواقع، محافظًا على المسافة التي تحميه من القلق دون أن تعزله عن الفهم.

ويبقى الموظف العام مرآة لمجتمعه في سلوكه وأدائه. وعندما يتحول وعيه الإعلامي من رد فعل إلى فهم، ومن توتر إلى إدراك، يصبح أكثر ثباتًا في عمله، وأكثر صدقًا مع ذاته، وأكثر قدرة على خدمة مؤسسته ومجتمعه بهدوء ومسؤولية.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير