د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء

{title}
نبأ الأردن -
 الفيل الذي صادر الدعاء

        ... 
لم يدخل الفيل الغابة طارئًا.
دخلها بعد أن تكسّر المعنى
وبعد أن صار النمر خبيرًا في العلاقات العامة،
وبعد أن أتقن الضبع فنّ التوازن،
وبعد أن أُخرجت البومة من مجلس الحكمة،
وبعد أن صار الجرذ نشيدًا وطنيًا.

الفيل لا يحب الغابات السليمة.
هو يفضّل الغابات المتعبة،
التي أنهكها التصفيق
وأصابها الصمت،
واعتادت أن ترى الخراب
ثم تسأل: هل هذا ضروري؟

الفيل… راعي الخراب لا صانعه

وقف الفيل في قلب الغابة وقال:  الغابة غير مستقرة.
قالها بثقة من يعرف
أن أحدًا لن يسأله

من كسر الأشجار،
ومن فتح الطرق للضباع،
ومن صمت حين كان النمر
يزيّن الحريق بربطة عنق.

الفيل لا يبدأ الفوضى دائمًا
لكنه يحميها،
ويمنحها الشرعية،
ويقنع الضحايا
أن ما يحدث لهم
إجراء وقائي.

مجلس الحكمة… بعد التحديث

أعاد الفيل فتح مجلس الحكمة،
لكن دون البومة.
قال:  البومة تُكثر من الأسئلة.
جلس مكانها
ثعلب ناعم اللسان
وقرد يحفظ الشعارات
وحمار يقرأ من ورقة لا يفهمها.
ومنذ ذلك اليوم،
صار المجلس يُصدر بيانات لا قرارات
ويُبارك أكثر مما يُحاسب
ويُصفّق
حين يجب أن يصمت
أو يصرخ.

الصناديق التي لا تُفاجئ

تذكّرت الغابة يوم قال الفيل:  اختاروا من يحكمكم.
فرحت الحيوانات
وحين خرج من الصناديق
أسد لا يركع
ولا يتعلّم الانحناء،
انقلب الفرح خطرًا،
والاختيار تهديدًا.

كُسرت الصناديق،
لا لأنها كذبت،
بل لأنها قالت الحقيقة.
ومنذ ذلك اليوم
صار الاختيار مسموحًا
بشرط أن يكون بلا مفاجآت
وبلا أسود.

حين صودر الدعاء
اشتدّ الجوع
وجفّ الماء
ورفعت الحيوانات دعاءها.

لكن الفيل سبق الدعاء
وأقام سياجًا
بين الأرض والسماء،
وقال:  الدعاء غير مرخّص.

قالت السلحفاة:  نريد عدلًا.

قال:  ملفّ مؤجَّل.

قالت الغزالة:  نريد كرامة.

قال:  خطاب تحريضي.

قالت العصافير:  نريد أن نعيش.
قال:  الأمن أولًا.
وهكذا،
لم يُمنع الدعاء لأنه خطأ،
بل لأنه
قد يغيّر الميزان.

السوق… حيث تُباع الغابة
أعلن الفيل خطة إصلاح الغابة.

باع الماء،
وخصخص الظل
وسلّم الحسابات للضباع.

وحين ماتت الأشجار،
قال:  هذا ثمن التنمية.

وحين جاعت الحيوانات
قال:  أنتم لا تفهمون الاقتصاد.

المشهد الذي لم يُعلن
في ليلة ظنّ فيها الفيل
أن الغابة صارت طيّعة
حدث ما لم يُذكر في البيانات.

العشب… تحرّك.
لا هتاف
لا لافتات
لا مجلس.

فقط خشخشة خفيفة،
كأن الأرض
تسعل بعد صمت طويل.

لاحظت الغزلان
أن جذور العشب
لم تعد تنحني
وأن الأشجار الميتة
بدأت تُنبت أوراقًا صغيرة
بلا إذن.

اقتربت البومة من حافة الغابة،
وقالت همسًا:
 حين لا يُستجاب الدعاء،
تتعلّم الأرض الكلام.

في تلك الليلة،
تعثر الفيل لأول مرة.

لم يسقط،
لكنه أدرك
أن الأرض
لم تعد كما كانت.

رفع خرطومه غاضبًا
ولم يجد بيانًا
يبرّر العثرة.

الخاتمة
في الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء،
لم تكن المشكلة في السماء
ولا في الدعاء،
ولا في صبر الحيوانات.

كانت المشكلة
في من احتلّ الطريق بين الأرض والسماء،
وفي من أقنع الغابة
أن الصمت حكمة
وأن الركوع نجاة
وأن الخراب ضرورة.

وختامًا:
وفي الحلقة القادمة… حينما يثور العشب……
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير