د. ماجد عبد العزيز الخواجا يكتب: ليست إنجازات يا رئيس الحكومة (2)

{title}
نبأ الأردن -
في المقالة السابقة تم استدراج ليس سيئاً نحو تعداد وبيان التركة والميراث الحكومي المتعاقب في السلسلة الحكومية التاريخية، وظهر حجم الحمل الثقيل الذي يزداد عبر الحكومات بحيث تتجه لتنفيذ ما يمكن تنفيذه من شؤون يومية تأخذ شكل تسيير الأعمال، أكثر بكثير من كونها أعمال كبيرة ورئيسة تدخل ضمن دوائر التنمية الشاملة المستدامة. ولم يعد غريباً اعتبار الاجتماعات والمقابلات والجولات الحكومية بمثابة إنجازات عظيمة للرئيس أو لوزرائه. وساعدت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في ضخ كميات مهولة من صور المسؤولين أثناء تنفيذهم لأعمال يومية هي جزء يسير من صلب واجباتهم ومهامهم. لكنهم وجدوا الفرصة سانحة بالبروز والشو الإعلامي المتواصل، لدرجة مشاهدة الوزير يومياً في مختلف شؤونه الوزارية الاعتيادية. وليس مقصوراً هذا الأمر بالوزراء فقط، وإنما انعكس علي مجمل المؤسسات والهيئات والإدارات المشخصنة، ما بين رؤساء المجالس للشركات والجامعات وصولاً لأنشطة غاية في الصغر لهذه الجمعية وتلك المنظمة، مع تحرّي وضمان إبراز صورة المدير أو الرئيس وكأنه يقوم بأعمال بطولية خارجة عن المألوف.

ابتداءً وللحق والحقيقة، فإن شخص رئيس الحكومة يتسّم بالهدوء الظاهر، وعدم الميل للمناكفات الحادة أو للجدالات غير المجدية، وهو يمتلك الأدوات باعتباره أحد أبناء العمل العام في مستوياته وتدرجاته وصولاً لأن يصبح أحد أركان المطبخ السياسي. كما يبدو أنه ليس ممن لهم مزاج خاص في تقريب هذا واستبعاد ذاك. وهو أيضاً يدرك حجم التحديات والهنات في العمل العام، وأن كثيراً من التفاصيل بحاجة للتأشير عليها من مستويات عالية.

دولة الرئيس المحترم: من أبجديات مؤشرات ومعايير الأداء التحقق من الإنتاجية ومن تحقيق هدف محدد مسبقاً يمكن قياسه وقراءة معطياته وأن يكون له قيمة فعلية مضافة. ليس من مؤشرات الإنجاز عديد الزيارات، ولا عديد الاجتماعاتن ولا عديد اللقاءات، ولا عديد الاتفاقيات، ولا عديد السفرات، ولا عديد التوجيهات. نعم إن لها أهمية محددة ضمن سير العمليات الإدارية، لكنها لا تعدّ إنجازات بقدر ما تعبّر عن إجراءات وخطوات ومهمات.

ليس من مهام رئيس الحكومة أو الوزير أو الأمين العام أن يقوم بتأدية مهام إدارية وتنفيذية هي من صلب مهام إدارات أدني أو ذات اختصاص. فلا يعقل انتظار زيارة لرئيسالحكومة كمثال من أجل عمل صيانة لغرف صفيّة أو لمركز صحّي، أو لشراء مراوح ومكيفات، أو لتجديد المرافق الصحيّة في أحد الإدارات، أو لنقل موظف أو للسؤال عن المدير وهل ذهب لشراء الإفطار.

إنني بحكم عملي الوظيفي لعقود ممتدة في العمل العام، إضافة لمؤهلاتي الأكاديمية في مجال إعادة هندسة الإدارة، لا أستطيع المرور أو تجاوز ما تسميه الحكومة بالإنجازات، حيث بدأت هذه الظاهرة بشكلٍ كبيرٍ ومزعج مع انطلاقة المبادرات الوطنية المتعاقبة، التي تتطلب بيان مستويات الأداء المتحقق، ومع تطوّر الحالة، بدأت العروض التقديمية زاهية الأوان والتصاميم تغرق أروقة وقاعات الوزارات والهيئات بأرقام وإنجازات كانت تبدو وكأننا غارقون في عسل ومخرجات التنمية.

للحقيقة فإنه لو كان لدي إمكانية لدراسة كافة الملفات التي عملت عليها الحكومات منذ عقود ثلاث، ربما لن تكون مفاجأة أن تلك الملفات قد تضخمت تحدياتها وتعقدت متطلباتها، ولا نجد ملفاً وطنياً نطمئن بأنه حقق غاياته.

ما أود قوله يا دولة الرئيس المحترم: المواطن ليس معنياً بالزيارات والجولات والمقابلات والاجتماعات واللقاءاتن ولا هو معنيٌّ بوضع رؤية وخطط لعشر سنين قادمة، كما هو الحال مع الحكومة السابقة عندما اعتبرت من إنجازاتها أنه " سيتم تشغيل مليون مواطن" لكن خلال عقد من القادم من الزمان. هناك " هرم ماسلو للحاجات الإنسانية" وأخال أنكم تعرفون تفاصيله، فهو يفترض بأن الكائن الإنساني عبارة عن كائن حاجاتي، وهذه الحاجات يجيء في قاعة الهرم منها الحاجات البيولوجية أو حاجات البقاء الأساسية كالطعام والشراب والتكاثر والصحة، فيما تتدرج الحاجات وتبرز شريطة تلبية الحاجات التي تسبقها، وصولاً لمستويات تحقيق الذات. وحيث أن المواطنين في معظمهم تعتبر حاجاتهم الأساسية غير ملبّاة، فهم غير معنيين بالحديث عن المستقبل أو عن تذوّق الجماليات وغيرها.

إن جولاتكم في الميدان والعمل من أجل حل مشكلة إدارية أو تنفيذية في مديرية أو قسم أو إدارة، لا يقع ضمن مهامكم الجليلة، ولا يمكن اعتبارها إنجازات بل ربما ينبغي معاقبة المقصرين بتأديتها من الإدارات المعنية، شريطة أن تكون ضمن الخطط الموضوعة السنوية والدورية ومخصص لها من موازنة الوزارة/ الهيئة/ الإدارة، وإلا فلا قيمة للتخطيط والخطط للإدارات طالما سيتحمل الرئيس شخصياً التوجيه في كل شاردة وواردة.

دولة الرئيس المحترم: نعلم أن هناك وزراء لم يخرجوا من ثوب موظف درجة سادسة. ونعلم أن الحالة العامة ليست بالسهولة التي يمكن الخوض فيها، ونعلم حجم الأعباء المناطة بالحكومات، ونعلم مستويات التهديدات والتحديات التي يواجهها الأردن في هذه المنطقة. لكن ذلك لا يمنع من ترشيد وترشيق الأداء وحوكمته المصاحبة للشفافية والنزاهة والعدالة. مفاهيم أغرقتنا فيه الحداثة والعولمة، وتبنيناها دون تحرّي وجود الوعي الكافي بكيفية نشرها وتذويتها كثقافة إدارية لا لُبس فيها.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير