م.صلاح طه عبيدات يكتب: الأردن حين يختار الذكاء الطاقي… من استنزاف النفط إلى سيادة القرار
نبأ الأردن -
ليست فاتورة النفط في الأردن رقمًا محاسبيًا عابرًا، بل مرآة لاختلالٍ أعمق في علاقتنا مع الطاقة والاقتصاد والسيادة. مليارات تُدفع سنويًا مقابل وقود نحرقه ثم يتبخر، تاركًا خلفه عجزًا ماليًا، وضغطًا اجتماعيًا، وارتهانًا سياسيًا لتقلبات لا نملك التحكم بها. ومع ذلك، ما زال السؤال يُطرح بطريقة خاطئة: كيف نُقشِّف؟ بينما السؤال الصحيح هو: كيف نُفكِّر بذكاء؟
الأردن لا يفتقر إلى الطاقة، بل يفتقر إلى الجرأة في إعادة تعريفها. تحت شمسٍ تُعد من الأغزر عالميًا، وعلى أرضٍ تختزن الفوسفات والبوتاس والسيليكا، ما زلنا نتعامل مع الطاقة بوصفها عبئًا لا فرصة، ومع الموارد بوصفها مواد خام لا أدوات سيادة. المفارقة أن البلد الذي يستورد الوقود بأثمان باهظة، يمتلك كل ما يؤهله ليكون منتجًا للطاقة ومُصدّرًا لحلولها.
التحرر من النفط لا يبدأ برفع الأسعار على المواطن ولا بتقليص استهلاكه القسري، بل يبدأ من الدولة نفسها، حين تعيد هندسة استهلاكها. كهربة النقل العام والحكومي ليست ترفًا بيئيًا، بل قرارًا اقتصاديًا عقلانيًا يخفض الكلفة، ويقلل الاستيراد، ويعيد تعريف المدينة كحيزٍ نظيف وصحي. وتشغيل ضخ المياه والتحلية بالطاقة الشمسية ليس خيارًا تقنيًا فحسب، بل استثمار في الأمن المائي والطاقي معًا، في بلد تُعد فيه المياه أكبر مستهلكٍ للطاقة.
وحين تتحول المصانع من حرق الوقود الثقيل إلى الاعتماد على الكهرباء النظيفة، فإنها لا تخفف الانبعاثات فقط، بل تستعيد قدرتها على المنافسة، وتتحرر من تقلبات أسعار الوقود، وتصبح جزءًا من اقتصاد إنتاجي لا ريعي. أما الهيدروجين الأخضر، فليس حلمًا بعيدًا، بل رهانًا سياديًا طويل الأمد، يمكن للأردن من خلاله أن يحوّل فائض الشمس والرياح إلى وقود المستقبل، ويجلس على طاولة الطاقة العالمية لا كمستورد، بل كشريك.
لكن الذكاء الحقيقي يبدأ قبل البحث عن مصادر جديدة، حين نواجه حقيقة الهدر. مبانٍ تبتلع الطاقة بلا عزل، وشبكات تستهلك أكثر مما تحتاج، وأنماط استهلاك لم تُراجع منذ عقود. إن أرخص طاقة هي تلك التي لا نستهلكها أصلًا، وأسرع عائد اقتصادي هو الاستثمار في الكفاءة، لا في التوسع الأعمى بالإنتاج.
وتبلغ المعادلة ذروتها حين نخرج من عقلية الاستيراد إلى منطق التصنيع. السيليكا الأردنية ليست مجرد رمل، بل أساس لصناعة زجاج الخلايا الشمسية. الفوسفات والبوتاس ليسا فقط للتصدير الخام، بل لبناء صناعات متقدمة في التخزين والطاقة. هنا فقط تتحول الطاقة من فاتورة إلى صناعة، ومن عبء إلى قيمة مضافة، ومن تبعية إلى سيادة.
هذه ليست رؤية بيئية رومانسية، ولا خطابًا إنشائيًا، بل مشروع دولة. مشروع يعيد توجيه مليارات تُهدر سنويًا، ويخلق آلاف الوظائف، ويمنح القرار الوطني هامشًا أوسع من الاستقلال. مشروع يقول بوضوح: الأمن الطاقي ليس ملفًا تقنيًا، بل ركيزة من ركائز الاستقرار السياسي والاجتماعي.
الأردن أمام لحظة اختيار. إما أن يبقى رهينة نفطٍ لا يملكه، أو أن يستثمر شمسًا لا تغيب، وأرضًا لم تُستثمر بعد، وعقلًا قادرًا على الابتكار إن أُعطي الفرصة. في هذه المعادلة، لا يكون التقشف حلًا، بل الذكاء. ولا تكون السيادة شعارًا، بل طاقة نُنتجها، ونُصنّعها، ونستهلكها بوعي.

























