سمير عبد الصمد يكتب : علمونا... لكننا علمناهم
نبأ الأردن -
بين الفينة والأخرى يطل علينا عبر الشاشات (من يهرف بما لا يعرف) مدعيًّا بطريقة فوقية بأن الأردن ليس إلا صحاري قاحلة بعيدة عن معطيات الحضارة، يستفحل فيها الجهل، وإننا لولاه ما كنا.
بعضهم يزعم أن والده علم الأردنيين زراعة الملوخية وطبخها وأكلها.
نقول له: أحسنت وأحسن والدُك.
ويطل علينا آخر يدعي أن جده هو أول من زرع البندورة وعلمنا كيفية طبخها وأكلها.
نقول له: أحسنت وأحسن جدُّك.
ومرة أخرى تطل علينا سيدة أنيقه وقورة، لتخبرنا بأن أعمامها وربما أخوالها، أول من علم الأردنيين استعمال الصابون والمنظفات، نقول لها: شكرا لأعمامك وأخوالك.
وشكرًا لهم ولغيرهم..
وكان آخر من أطل علينا من هؤلاء المعلمين رجلٌ مثقف يدَّعي بكل ثقةٍ بأن برنامجَه أولُ من جعل للشعر الشعبي وللشاعر الأردني قيمة عالية، فيسقط في أيدينا، ونستغرب أشد الاستغراب، كيف أن ذلك التراث الأصيل العريق من الشعر بشقيه الشعبي والفصيح لم يتناهى إلى مسامعه.
هذا شأنه بالطبع.
لكننا نقول بكل ما يُعرف عنا من أدب، وصفح، ومقدرة، وغض الطرف عن الإساءة:
شكرا لك ولبرنامجك وللمصورين ولفنيي الصوت ولا ننسى المخرج أيضا.
شكرا لكم جميعا.
نقول:
أن نتعلم من الآخرين فهذا دلالة على أننا شعب
مستنير يتعلم ما يفيد، ويتفاعل مع كل جديد، ينظر إلى الأمام، ويبني دولة راقية راسخة الأركان، وإنسانًا تجلت ثقافته في كل أصقاع الدنيا، والشواهد كثيرة ومثيرة.
لا بأس، تعلمنا منهم، لكننا علمناهم بأننا ننفعل ونغضب، لكننا نُعرِض عن الجاهلين برقي قيمنا وأخلاقنا.
نعم، تعلمنا منهم.
لكننا علمناهم أننا شعب واسع الصدر يكظم الغيظ، إنما إن مُسَّت كرامتُه صار سيوفَ حقٍّ مشرعة يفتدي الوطن بالمهج والأرواح.
نعم تعلمنا منهم.
لكننا علمناهم كيف يكون ملك البلاد وولي عهده وكل رجالات الوطن وكل أردني كبيرٌ وصغيرٌ، رجالٌ ونساء، جزءًا من نسيح واحد يسيرون متماسكين واثقين نحو هدف واضح وهو حب الأردن، وبناء مؤسساته، والحفاظ على مقدراته، لا فرق بين أمير ووزير وغفير، كلٌّ في موقعه يبني ويعمِّر.
علمناهم كيف يكون حب الوطن فرضًا وسنةً وواجبًا، متطرفين في حبه، لا نرضى بأنصاف المواقف، ننصهر في بوتقة الولاء والانتماء.
علمناهم كيف نستلُّ من جوف الصخر منجزات الحضارة، وكيف تغزلُ إرادتُنا من ظلام الليل قطعةَ قمر تنير دروب السالكين، وكيف نطوِّع المستحيل ليغدو واقعًا جميلًا.
علمناهم كيف اخضرَّت الصحاري، وأزهرت البوادي، وكيف سجلنا أعلى نسبة متعلمين في العالم، وكيف قضينا على الأمية منذ سنوات، وكيف تُغطِّي المرافق الصحية والثقافية والاجتماعية كل بقاع الوطن باديةً وقرى ومدنًا وحواضر.
علمناهم كيف أن الأردن ملجأ لكل المظلومين الهاربين من مقصلة الجلادين في أوطانهم، فتحنا بيوتنا ومضاربنا ودواويننا وقلوبنا لكل من التجأ للأردن طالبًا الحماية وساعيًا نحو الأمان.
علمناهم كيف استوعب "وطنٌ بحجم الورد" أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ من كل بقاع الدنيا القريبة والبعيدة لسنوات طويلة، لم يسمع أيٌّ منهم ولو كلمةً تسيء لهم أو تخدش مشاعرهم، أو تنتقص من قيمتهم أو قيمهم، أشعرناهم بأنهم أهلنا، تقاسمنا معهم ونحن سعداء، لقمة العيش، وتشاركنا في الأفراح والمسرات، وحينما يرغب أيٌّ منهم بالرحيل، يرحل بملء إرادته، نودعه كما استقبلناه، بالحب والترحاب والاحترام.
نعم تعلمنا منهم، لكننا علمناهم أننا دائما ننظر إلى الأمام، وأن الصفح من شيم الكبار، ونخبرهم أننا نحب المتنبي شاعر الحكمة، ونحفظ شعره، وبخاصة قوله:
وإذا أتتكَ مذمتي من ناقصٍ
فهي الشهادةُ لي بأني كاملُ.
والكمالُ لله وحدَه.
























