د.المخرج محمد الجبورِِ يكتب: التكافل الاجتماعي صمام امان في مواجهة التحديات الاقتصادية
نبأ الأردن -
في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة التي يشهدها العالم، وما يرافقها من ارتفاع في معدلات الفقر والبطالة وتنامي الضغوط المعيشية على الافراد والاسر، يبرز التكافل الاجتماعي بوصفه احد المرتكزات الاساسية للحفاظ على استقرار المجتمعات وتعزيز قدرتها على الصمود في اوقات الازماتK وقد اسست القيم الدينية والانسانية لهذا المبدأ منذ القدم، حيث دعا الاسلام الى التعاون والتراحم، قال تعالى:
﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان﴾.
ويمثل التكافل الاجتماعي اطارا عمليا لتجسيد هذه القيم، من خلال منظومة من السياسات والممارسات التي تتقاسم بموجبها مؤسسات المجتمع وافراده مسؤولية حماية الفئات الاكثر هشاشة، وضمان حد ادنى من العيش الكريم، بما يسهم في تحقيق التوازن بين متطلبات الكفاءة الاقتصادية ومبادئ العدالة الاجتماعية، ويحد من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للازمات.
ولا يقتصر دور التكافل الاجتماعي على البعد القيمي او الانساني، بل يشكل اداة اقتصادية فاعلة تسهم في تعزيز الاستقرار والتنمية.
فقد اكد القران الكريم هذا المعنى حين اقر حق الفقراء في اموال القادرين، بما يسهم في الحد من تركز الثروة وتعزيز التماسك الاجتماعي. كما اكدت السنة النبوية الشريفة هذا الترابط، حيث ربطت بين الايمان والمسؤولية الاجتماعية، وارست مبدأ التضامن باعتباره اساسا لاستمرار المجتمعات واستقرارها.
وتشير الدراسات الاقتصادية الصادرة عن مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي، الى ان شبكات الامان الاجتماعي اسهمت بشكل ملموس في خفض معدلات الفقر وتقليص فجوة الدخل في العديد من الدول، اذ ساعدت برامج الحماية الاجتماعية والتحويلات النقدية على حماية الاستهلاك الاسري خلال فترات الازمات، وتحسين مؤشرات التعليم والصحة، بما ينعكس ايجابا على الانتاجية والنمو الاقتصادي على المديين المتوسط والطويل.
كما تؤكد الابحاث المتعلقة براس المال الاجتماعي ان المجتمعات التي تتمتع بروابط تضامنية قوية وشبكات دعم فعالة تحقق مستويات اعلى من الاستقرار الاجتماعي والحراك الاقتصادي، مقارنة بالمجتمعات التي تسود فيها الفردية وضعف التكافل.
ويعد الامن المجتمعي عنصرا رئيسيا في بناء اقتصاد مستقر ومستدام، ولا يمكن تحقيقه بمعزل عن منظومة تكافل اجتماعي فاعلة.
فتعزيز شبكات الدعم الاجتماعي يسهم في الحد من مظاهر الاقصاء والتهميش، ويقلل من التوترات الاجتماعية المرتبطة بالفقر، كما يعزز ثقة الافراد بالمجتمع ومؤسساته، الامر الذي ينعكس ايجابا على الاستقرار العام.
وانطلاقا من ذلك، فان التحدي لا يتمثل في الاقرار باهمية التكافل الاجتماعي فحسب، بل في تطوير الياته والارتقاء به من نمط المساعدات المؤقتة الى برامج تمكين مستدامة، ويشمل ذلك ترسيخ ثقافة المسؤولية الاجتماعية في المنظومة التعليمية، وتعزيز العمل التطوعي، وتفعيل دور الاعلام في نشر الوعي وتسليط الضوء على المبادرات المجتمعية الناجحة.
كما يتطلب الامر دعم مؤسسات المجتمع المدني وتنظيم العمل الخيري ضمن اطر مؤسسية شفافة، وربطه بمشروعات تنموية تركز على التدريب والتشغيل وتمكين الفئات المستهدفة اقتصاديا.
وتعد الشراكة بين القطاعين العام والخاص من الادوات الفاعلة لتوسيع نطاق التكافل الاجتماعي، من خلال برامج المسؤولية الاجتماعية التي تسهم في تحقيق تنمية اكثر عدالة وتوازنا.
وقد اظهرت التجارب الدولية والعربية ان شبكات الامان الاجتماعي، عند ادارتها بكفاءة وربطها ببرامج تمكين اقتصادي، تؤدي دورا محوريا في تعزيز الامن الغذائي، وتحسين فرص الوصول الى التعليم والخدمات الصحية، وتقليص الفجوة الاقتصادية بين فئات المجتمع، بما يدعم مسار التنمية المستدامة على المستوى الوطني.
وفي المحصلة، يمثل التكافل الاجتماعي صمام الامان الحقيقي للمجتمعات في مواجهة التحديات الاقتصادية، وركيزة اساسية للاستقرار والتنمية، اذ لا يعد عبئا على الاقتصاد، بل استثمارا طويل الامد في الانسان، وضمانة لتماسك المجتمع وقدرته على مواجهة الازمات بكفاءة ومسؤولية.
وفي السياق الاردني، تزداد اهمية التكافل الاجتماعي بوصفه ركيزة اساسية في تعزيز الاستقرار المجتمعي والاقتصادي، خاصة في ظل التحديات الاقليمية والضغوط الاقتصادية المتراكمة التي تواجهها المملكة،فقد شكل التكافل، عبر التاريخ الاردني، احد ابرز عناصر القوة المجتمعية، مستندا الى قيم التضامن والتراحم والمسؤولية المشتركة التي تميز المجتمع الاردني، واسهمت في الحفاظ على تماسكه في مختلف المراحل.
واليوم تبرز الحاجة الى تعزيز هذا النهج من خلال تطوير منظومة متكاملة للتكافل الاجتماعي، تقوم على تكامل ادوار الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، بما يضمن توجيه الدعم الى مستحقيه، وربطه ببرامج تمكين اقتصادي وتعليمي مستدامة تسهم في تعزيز الاعتماد على الذات وتحسين مستوى المعيشة. كما يمثل الاستثمار في الانسان الاردني، عبر التعليم والتدريب وبناء القدرات، محورا رئيسيا لتحويل التكافل من استجابة ظرفية الى سياسة تنموية طويلة الامد.
ان ترسيخ التكافل الاجتماعي في الاردن لا يقتصر على كونه واجبا اخلاقيا او اجتماعيا، بل يعد خيارا استراتيجيا لدعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز الامن المجتمعي، وضمان قدرة المجتمع على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية بروح من التضامن والمسؤولية الوطنية المشتركة.

























