وليد العريض يكتب: جمهورية الألقاب… حين يُستبدل العلم بالاسم

وليد العريض يكتب: جمهورية الألقاب… حين يُستبدل العلم بالاسم
نبأ الأردن -
قراءة نقدية في تضخّم الشكليات وتراجع المعنى في المشهد الأكاديمي العربي-

تشهد الساحة الثقافية والأكاديمية العربية في العقود الأخيرة ظاهرة لافتة تستحق التوقف عندها، تتمثل في تضخّم الألقاب العلمية والأكاديمية مقابل تراجع الأثر المعرفي الحقيقي. وهي ظاهرة لا يمكن اختزالها في سلوك أفراد، بل تعبّر عن اختلال أعمق في منظومة القيم التي تحكم العلاقة بين العلم، والمؤسسة، والمجتمع.

*-اللقب بين الدلالة العلمية والوظيفة الاجتماعية

في السياق الأكاديمي الرصين، يُفترض أن يكون اللقب العلمي نتيجة طبيعية لمسار بحثي متراكم وإسهام معرفي قابل للقياس والتقويم. غير أن الممارسة الشائعة تشير في حالات غير قليلة، إلى تحوّل اللقب إلى قيمة مستقلة بذاتها، تُستخدم بوصفها أداة مكانة اجتماعية أكثر منها تعبيرًا عن كفاءة علمية فاعلة.
لا تكمن الإشكالية في وجود الألقاب، فهي جزء من التنظيم الأكاديمي الطبيعي وإنما في تقديسها وفي التعامل معها بوصفها نهاية المسار لا بدايته وضمانة للقبول لا موضوعًا للمساءلة العلمية المستمرة.

*-التضخّم الشكلي وتراجع المحتوى

من الملاحظ أن ضعف الإنتاج المعرفي يترافق أحيانًا مع تضخّم لغوي وشكلي في تقديم الذات العلمية. فالسير الذاتية المطوّلة، وكثرة العضويات واللجان وحضور المناسبات الاحتفالية، لا تعوّض غياب البحث الجاد ولا تُغني عن السؤال المركزي:
ماذا أُضيف إلى المعرفة؟
ويزداد هذا الخلل وضوحًا حين تصبح اللغة المنمّقة والمصطلحات العامة بديلًا عن المنهج والسؤال والتحليل، فتغدو بعض الكتابات الأكاديمية أقرب إلى تقارير إنشائية منها إلى إسهامات علمية.

*-المؤتمر بين الهدف المعرفي والوظيفة البروتوكولية

تُظهر بعض المؤتمرات والندوات العلمية اختلالًا مشابهًا، حيث يطغى البعد البروتوكولي والاحتفالي على الغاية العلمية. تُستنزف أوقات معتبرة في كلمات افتتاحية مطوّلة وتقديمات تعريفية بالألقاب والمناصب، على حساب النقاش العلمي المتخصص.
كما تُلاحظ ممارسات تنظيمية تُقدّم الاعتبار الاسمي على الصلة العلمية بالموضوع، فتُحجز الصفوف الأولى للأسماء "اللامعة”، بينما يُهمَّش الباحث الجاد، صاحب الورقة المتخصصة وكأن المعرفة مسألة رتبة لا قيمة.

*-أمثلة متداولة من الواقع

من خلال المتابعة الميدانية، يمكن رصد أنماط متكرّرة:
-استمرار بعض الأكاديميين في مواقع القرار رغم محدودية إنتاجهم البحثي في السنوات الأخيرة.
-تهميش باحثين شباب يمتلكون أدوات منهجية حديثة وأسئلة بحثية جادة، بدعوى حداثة التجربة أو غياب "الصفة الاعتبارية”.
-استخدام اللقب في النقاش العام بوصفه حجة بحد ذاته، بدل إخضاع الرأي للنقد العلمي الموضوعي.
-تشكيل لجان تقييم أو تحكيم على أساس المكانة الشكلية لا التخصص الدقيق، بما ينعكس على جودة القرارات الأكاديمية.

هذه الممارسات لا تعكس بالضرورة سوء نية، لكنها تشير إلى نمط ثقافي مؤسسي يحتاج إلى مراجعة هادئة ومسؤولة.

*-العلماء الحقيقيون خارج الأضواء

في المقابل، يُلاحظ أن عددًا من الباحثين الجادين يعملون بهدوء خارج دائرة الاهتمام الإعلامي والاحتفالي. يُعرفون بإنتاجهم وبطلابهم وبقدرتهم على طرح أسئلة نقدية تُسهم في تطوير المعرفة، دون حاجة إلى تضخيم شكلي أو حضور استعراضي. وقد أثبت التاريخ العلمي أن الأثر المعرفي طويل المدى لا يرتبط بالضجيج، بل بالجدّية والاستمرارية والالتزام بالمنهج.

*-خلاصة
لسنا ضد الألقاب، بل ضد أن تتحوّل إلى بديل عن العلم. ولسنا ضد التكريم، بل ضد أن يبتلع التكريم جوهر المعرفة. إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الجهل البسيط، بل الجهل المتأنّق المحصَّن بالألقاب والخائف من السؤال.
المعرفة هي التي تمنح اللقب قيمته، لا العكس.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions