م. صلاح طه عبيدات يكتب: الشراكة الأردنية – الأوروبية: من إدارة الأزمات إلى حق الأردن في التنمية
نبأ الأردن -
ليست كل الشراكات بريئة، ولا كل ما يُسمّى التزامًا أخلاقيًا بريئًا من حسابات الخوف. في السياسة، كثيرًا ما يُعاد تعريف القيم حين تقترب الأزمات من الحدود، ويُعاد ترتيب الأولويات حين يصبح الاستقرار سلعة، والدول خطوط دفاع متقدمة عن رفاه الآخرين.
تُقدَّم الشراكة الأردنية – الأوروبية باعتبارها نموذجًا للتعاون في منطقة مضطربة، لكن السؤال الحقيقي ليس عن جمال النموذج، بل عن كلفته الخفية. من يدفع ثمن هذا الاستقرار؟ ومن يربح من بقائه معلقًا عند حدّه الأدنى؟
الأردن لم يختر أن يكون ساحة انتظار للأزمات، لكنه وجد نفسه يُطالَب بالصبر أكثر مما يُمكَّن من القوة. استقبل اللاجئين لأن الأخلاق سبقت السياسة، ثم طُلب منه أن يتكيّف مع العبء، ثم أن يشكر من يموّل تحمّله. هكذا تتحول الإنسانية، حين تُدار بلا عدالة، إلى عبء دائم لا إلى فضيلة.
ما يُسمّى دعمًا، في كثير من وجوهه، ليس استثمارًا في التنمية، بل استثمارًا في منع الانفجار. يُضَخ المال ليبقى السقف قائمًا، لا ليُبنى طابق جديد. يُموَّل الاستقرار كي لا يتحول اليأس إلى حركة، لا كي يتحول العمل إلى كرامة.
في هذه المعادلة، يُختزل الأردن إلى وظيفة: أن يضبط، أن يحتوي، أن يمنع انتقال النار. أما حقه في النمو، فيبقى بندًا مؤجلًا في هوامش البيانات المشتركة. يُراد له أن يكون قويًا بما يكفي لحراسة الأبواب، لا قويًا بما يكفي ليطرقها.
الأمن، في هذه الشراكة، يتقدم كعقيدة. الأمن قبل التنمية، الأمن قبل العدالة، الأمن قبل السؤال. وكأن الخوف الأوروبي من الفوضى أهم من حق مجتمع كامل في الحياة الكريمة. وكأن المطلوب من الدولة أن تُقنع شبابها بأن الاستقرار بحد ذاته مستقبل.
لكن التاريخ لا يرحم هذه المعادلات. فالدول لا تسقط حين تفقد السيطرة، بل حين تفقد المعنى. وحين يُطلب من مجتمع أن يحمل أعباء الإقليم دون أن يُمنح أدوات القوة، فإن الاستقرار يتحول من قيمة إلى قيد، ومن فضيلة إلى سجن واسع.
الأردن لا يطلب مكافأة، ولا يلوّح بالابتزاز، لكنه يرفض أن يكون مجرد بند أمني في حسابات الآخرين. يرفض أن يُقاس دوره بعدد الأزمات التي منعها، لا بعدد الفرص التي خلقها لمواطنيه.
الشراكة الحقيقية لا تُبنى على الخوف، بل على المصالح المتوازنة. ولا تُدار بمنطق الاحتواء، بل بمنطق التحرير: تحرير الاقتصاد من الهشاشة، وتحرير المجتمع من انتظار دائم، وتحرير الاستقرار من كونه هدفًا بحد ذاته.
وإلا، فإن هذا الاستقرار المصنوع بعناية، سيبقى معلقًا فوق فراغ أخلاقي كبير. هادئًا من الخارج، متآكلًا من الداخل.
وحين يسقط، لن يسأل التاريخ من ضخّ المال… بل من منع التنمية.

























