د. محمد جرار آل خطاب يكتب:الخلاف بين نائب ووزير العمل… الدستور هو الفيصل (رسالة إلى دولة رئيس الوزراء)

{title}
نبأ الأردن -
قراءة دستورية في حدود الرقابة البرلمانية، ومسؤولية السلطة التنفيذية، وتداعيات نقل الخلاف السياسي خارج الإطار المؤسسي في لحظة مفصلية من مسار التحديث السياسي.
ما حصل من خلاف بين إحدى النواب ووزير العمل أثناء جلسة رقابية لمجلس النواب يندرج، من حيث المبدأ، ضمن صميم العمل الدستوري، ويتصل مباشرة بحق السلطة التشريعية في مراقبة أداء السلطة التنفيذية. ولم تخرج النائب في ممارستها لهذا الحق عن الأصول الدستورية أو الأعراف البرلمانية المستقرة.
وحتى وإن تجاوز وزير العمل حدود الحق في الرد على النائب، وتحول الأمر إلى خلاف ذي طابع سياسي، فإن الأصول الدستورية والقانونية كفيلة بحسم هذا الخلاف ضمن الإطار المؤسسي السليم، ودون الحاجة إلى نقله خارج قبة البرلمان أو تحميله أبعادًا لا تخدم المصلحة العامة.
إلا أن صدور بيان عشائري باسم عشيرة الوزير يُعد سابقة خطيرة، تنقل الخلافات السياسية والدستورية إلى الفضاء العشائري، وهو أمر مقلق لا يمكن القبول به، فالعشائر، التي نجلّ دورها ونحترم مكانتها، تشكّل مكوّنًا رئيسيًا وأساسياً في بناء الدولة والمجتمع، وتسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وحفظ السلم الأهلي من خلال منظومة القيم الأصيلة، كما أنها ركيزة مهمة في مؤسسات الدولة الرسمية،  غير أن هذا الدور لا ينبغي أن يمتد إلى التدخل في عمل السلطات العامة أو الانخراط في اصطفافات سياسية تمس جوهر الدولة الدستورية.
وما تبع ذلك من تحليلات لكتّاب وسياسيين ومواقع إخبارية،  انحازت لهذا الطرف أو ذاك،  وانتقاله الى مجلس الاعيان، وكأن الخلاف يدور حول رأي سياسي يحتمل تعدد وجهات النظر، لا حول حق دستوري أصيل كفله الدستور للنائب في الرقابة، وحدد في المقابل للوزير الأطر الدستورية للتعامل معه، يعكس خلطًا خطيرًا بين السياسة والدستور، وبين الرأي والالتزام القانوني.
إن ما حصل، يا دولة الرئيس، يمثل تراجعًا مقلقًا في مسار التحديث السياسي الذي يُعد من أولويات حكومتكم، كما يشكّل مخالفة واضحة لما ورد في الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك عبد الله الثاني، التي أكدت أن سيادة القانون هي أساس الدولة المدنية، وركّزت على خضوع الجميع—أفرادًا ومؤسسات وسلطات—للقانون، باعتباره الضامن للعدالة والمساواة، وعماد بناء الثقة بين المواطن والدولة، وأساس تطبيق مبادئ المواطنة الفاعلة.
لقد حان الوقت، يا دولة الرئيس، للتدخل الحاسم لوضع حد لهذا الخلاف وتداعياته، وإعادة الاعتبار لفعالية التعاون والرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بما يضمن احترام الدستور، ويحصّن الحياة السياسية من الانزلاق إلى مسارات لا تخدم الدولة ولا مشروعها الإصلاحي، خصوصًا في ظل التحديات الداخلية والإقليمية المقبلة، التي تتطلب أعلى درجات التفاهم والتكامل بين السلطات العامة ومؤسسات المجتمع المدني.
ثقتنا عالية بقدرة دولتكم على احتواء هذا الخلاف وتجاوز تبعاته، لما لمسناه منكم من ديناميكية في العمل وروح تعاون تبعث على التفاؤل، وتؤكد أن تجاوز مثل هذه الخلافات—التي ليس هذا وقتها—أمر ممكن بالإرادة السياسية والاحتكام الصارم للدستور وسيادة القانون.
إن ما جرى لا ينبغي أن يُختزل في خلاف عابر بين نائب ووزير، بل يجب أن يُقرأ بوصفه اختبارًا حقيقيًا لمدى التزامنا بالدستور، واحترامنا للفصل بين السلطات، وإيماننا بسيادة القانون كمرجعية وحيدة لإدارة الخلافات العامة. فالدولة القوية لا تُبنى بردود الأفعال ولا بالاصطفافات، وإنما بالمؤسسات، وبالاحتكام للنص الدستوري، وبحماية المسار الإصلاحي من أي ارتداد غير محسوب، ومن هنا، فإن الحسم المسؤول لهذا الملف، وإعادته إلى مساره الدستوري الصحيح، يشكّل رسالة طمأنة للمجتمع، ويعزز الثقة بمشروع التحديث السياسي، ويؤكد أن الأردن قادر، بقيادته ومؤسساته، على تجاوز الخلافات وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير