وائل منسي يكتب: التنمية كنظام متكامل

{title}
نبأ الأردن -
تشير الرؤية التنموية العالمية المتداولة للعام 2026 إلى تحوّل عميق في طريقة التفكير الاقتصادي والاجتماعي، تحوّل لا يتعامل مع التنمية بوصفها مجموعة قطاعات منفصلة، بل كنظام حيّ مترابط يعاد تشكيله من الجذور.   
 لم يعد النقاش محصوراً في أرقام النمو أو مؤشرات الأداء التقليدية، بل انتقل إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف تُبنى اقتصادات قادرة على خلق الفرص، وتحقيق العدالة، والتكيّف مع عالم يتغيّر بوتيرة تكنولوجية غير مسبوقة.
في قلب هذا التحول تبرز الوظائف لا كغاية رقمية، بل كحلقة وصل بين الاستقرار الاجتماعي، والعدالة الاقتصادية، والإنتاجية، والاندماج المجتمعي. العمل هنا يصبح المدخل الأساسي لمحاربة الفقر وتعزيز الرخاء، شرط أن يُنظر إليه ضمن منظومة متكاملة تشمل التعليم، والزراعة، والتجارة، والتكنولوجيا، لا كملف إداري منفصل. 
 هذا الفهم الجديد ينسجم جوهرياً مع فلسفة اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي يوازن بين ديناميكية السوق ودور الدولة في الحماية الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص، بحيث يصبح النمو وسيلة لتحسين حياة الناس لا غاية مجردة بحد ذاته.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يشكلان المحرّك الأبرز لهذا التحول، لكن من دون الوقوع في السرديات التبسيطية التي تختزل المستقبل في ثنائية "الوظائف ستختفي” أو "الآلات ستنتصر”.
 المقاربة الأكثر نضجاً تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة تعيد تشكيل طبيعة العمل، وتفرض إعادة تصميم التعليم والتدريب، وتفتح في الوقت ذاته فرصاً للدول النامية كي تقفز مراحل كاملة إذا ما استثمرت بذكاء في رأس المال البشري والبنية الرقمية. 
 هنا يصبح التعليم المستمر، والكسب أثناء التعلم، وربط الجامعات بسوق العمل، عناصر أساسية في عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.
 ولا يقل عن ذلك أهمية الربط بين التجارة والأمن المائي والبنية التحتية بوصفها شروطاً للمرونة الاقتصادية. فحرية تدفق السلع والخدمات، حين تقترن بإدارة مستدامة للموارد الطبيعية، تخلق بيئة قادرة على الصمود أمام الصدمات، سواء كانت مناخية أو جيوسياسية.
 هذا الترابط يعكس فهماً متقدماً للتنمية باعتبارها عملية توازن دقيق بين الكفاءة الاقتصادية والاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية، وهو جوهر اقتصاد السوق الاجتماعي في صيغته الحديثة.
البيانات في هذا السياق لم تعد أداة تقنية محايدة، بل أصبحت لغة السياسات العامة الجديدة. !
  الانتقال من الحدس إلى القرارات المستندة إلى الأدلة يغيّر طبيعة الحكم الاقتصادي، ويجعل قياس الفقر، وتقييم الأثر، وتصميم الأجور، وتتبع الأزمات، عمليات ديناميكية قابلة للتصحيح المستمر. الذكاء الاصطناعي، حين يُدمج مع بيانات موثوقة ومفتوحة، لا يخدم فقط الكفاءة، بل يعزز الشفافية والمساءلة، وهما ركيزتان أساسيتان لأي نموذج تنموي عادل.
من خلال هذا المنظور، يمكن فهم التحول الجاري بوصفه عملية "إعادة هيكلة شاملة” تعيد ترتيب الأولويات والمنهجيات والأدوار. فالمرونة الاقتصادية لم تعد تعني مجرد امتصاص الصدمات، بل القدرة على التكيّف النشط عبر التحول الهيكلي، وتبني التكنولوجيا بوعي اجتماعي، وبناء شراكات ذكية بين الدولة والسوق والمجتمع.
 كما أن دور المؤسسات الدولية والتنموية يتجه بعيداً عن منطق التمويل التقليدي نحو لعب دور الميسّر للمعرفة، والمحفّز للاستثمار المنتج، والجسر بين الخبرات العالمية والسياقات المحلية.

التحدي الحقيقي في هذا المسار لا يكمن في وضوح الرؤية، بل في التنفيذ المتكامل، وفي القدرة على ردم الفجوة التكنولوجية بين الدول، وتحقيق توازن دقيق بين الإلحاح في خلق فرص العمل، خاصة مع دخول أعداد هائلة من الشباب إلى سوق العمل، وبين متطلبات الاستدامة طويلة الأمد. هنا تحديداً تتجلى أهمية اقتصاد السوق الاجتماعي كإطار جامع، يوفّق بين الابتكار والحماية، وبين النمو والعدالة، وبين التكنولوجيا والإنسان.
في المحصلة، ما يتبلور أمامنا ليس برنامجاً تقنياً ولا وصفة جاهزة، بل نموذجاً تنموياً متشابكاً يرى في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أدوات للتمكين لا للإقصاء، وفي السوق آلية للإنتاج لا بديلاً عن العدالة، وفي الدولة ضامناً للتوازن لا عائقاً أمام المبادرة. 
هذا الانتقال من "التنمية كقطاعات” إلى "التنمية كنظام متكامل” قد يكون العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة، والرهان الحقيقي على قدرة المجتمعات على تحويل هذا التصور إلى واقع ملموس يخدم الإنسان أولاً وأخيراً.

#وائل #منسي
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير