حسن عبدالله الدعجه يكتب:الخطط الخمسية: أساس النهضة الصينية
ما كانت الصين لتصل إلى مكانتها الحالية على خريطة العالم لولا مزيج فريد من الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، وقدرات التخطيط المرحلي المنضبط، والقيادة السياسية التي أحسنت تفسير التحولات المحلية والعالمية. وقد جسّد خطاب الرئيس شي جين بينغ بمناسبة رأس السنة الجديدة 2026 هذا النموذج بوضوح، إذ لخص مسارًا تنمويًا تراكميًا تُوّج بنجاح الخطة الخمسية الرابعة عشرة، ومهّد الطريق لإطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة في سياق دولي معقد وغير مستقر.
منذ نشأتها، شكّلت الخطط الخمسية الركيزة الأساسية للتنمية الصينية، لا كأدوات بيروقراطية جامدة، بل كخرائط طريق ديناميكية تتكيف مع الواقع المتغير، وتربط في آن واحد بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والأمنية. لم يكن نجاح خطة التنمية الوطنية الرابعة عشرة حدثًا معزولًا، بل تتويجًا لمسيرة امتدت لعقود طويلة، هدفت إلى بناء أمة قوية وعصرية دون التضحية بالاستقرار الاجتماعي أو التنمية العادلة.
وفي هذا السياق، لعبت حكمة الرئيس شي جين بينغدورًا محوريًا في إعادة توجيه مفهوم القوة من مجرد نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى قوة شاملة قائمة على الابتكار والاستدامة والعدالة وثقة الشعب. وقد أكد مرارًا وتكرارًا أن "المياه الصافية والجبال الخضراء هي الذهب والفضة"، مشيرًا إلى أن التنمية البيئية ليست عائقًا أمام النمو، بل هي شرط أساسي له على المدى البعيد. كما شدد على أن الابتكار العلمي والتكنولوجي يجب أن يخدم الإنسانية، لا أن يكون مجرد سباق تكنولوجي من أجل التفوق الرمزي.
وقد أثمرت هذه الرؤية نتائج ملموسة: اقتصاد تجاوز معالم تاريخية، وتقدم نوعي في الذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء والطاقة النظيفة، وتحويل الابتكار إلى قوة إنتاجية جديدة عالية الجودة. والأهم من ذلك، أن هذا التحول لم يقتصر على النخب؛ انعكس ذلك في الحياة اليومية للمواطنين من خلال تحسين الخدمات، وتحديث البنية التحتية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي، وانتشال أكثر من 850 مليون شخص من براثن الفقر على مدى العقود الماضية، وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ التنمية البشرية.
ومع ذلك، لا تكمن فرادة النموذج الصيني في قدرته على تحقيق التنمية فحسب، بل أيضاً في قدرته على إدارة مكانة الصين في النظام الدولي بطريقة توازن بين القوة والمسؤولية. فبحسب خطابها وممارساتها الدبلوماسية، لا تسعى الصين إلى الهيمنة، بل تهدف إلى استعادة التوازن لنظام عالمي انحرف لصالح قوة واحدة لعقود. ومن هنا دعوتها إلى عالم متعدد الأقطاب أكثر عدلاً واستقراراً، وإلى بناء "مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية"، كبديل فلسفي وسياسي لمنطق الصراع ذي المحصلة الصفرية.
وفي هذا السياق، ساهمت الصين في إنشاء وتطوير مؤسسات وآليات دولية تُسهم في الأمن الدولي، ليس بهدف استبدال أو مواجهة المؤسسات والآليات القائمة، بل لتوسيع خيارات التعاون المتاحة للدول النامية والناشئة. يعكس كلٌّ من بنك التنمية الجديد، وبنك الاستثمار الآسيوي في البنية التحتية، ومبادرة الحزام والطريق، سعي الصين لتحقيق منافع مشتركة مع شركائها، بدلاً من حصرها داخل حدودها أو في تكتلات مغلقة.
هذا النهج يجعل من الصين قوةً تختلف جوهرياً عن القوى التقليدية: قوة تنموية لا توسعية، وقوة توازن لا استقطاب. إنها قوة ترى في الاستقرار الدولي شرطاً أساسياً لازدهارها الداخلي، وفي ازدهارها الداخلي إسهاماً في الاستقرار العالمي. لذا، لا يُنظر إلى صعود الصين على أنه تهديد للنظام الدولي، بل كفرصة لإعادة بنائه على أسس أكثر شمولاً وإنصافاً.
في نهاية المطاف، تكشف تجربة الصين أن القوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بالناتج المحلي الإجمالي أو عدد حاملات الطائرات، بل بقدرة الدولة على التخطيط طويل الأجل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان الاستقرار، والمشاركة بمسؤولية في الشؤون العالمية. هذه هي المعادلة التي صاغتها ونفذتها القيادة الصينية، بقيادة شي جين بينغ، بنجاح، مما جعل الصين قوة عظمى بمعنى جديد: دولة قوية ومنفتحة في آن واحد؛ قوة صاعدة، لكنها متوازنة. إنها مؤثرة، لكنها حريصة على ضمان أن يكون تأثيرها عامل استقرار، لا عامل زعزعة، في عالم شديد الهشاشة.
























