م.صلاح طه عبيدات يكتب:الإصلاح الإداري بين منطق الكفاءة ومبدأ الشرعية الشعبية

{title}
نبأ الأردن -
يُطرح الإصلاح الإداري في الخطاب الرسمي كثيرًا بوصفه وصفة جاهزة لتحسين الأداء، وضبط الإنفاق، وتسريع القرار. غير أن الإشكالية الكبرى لا تكمن في شعار الإصلاح ذاته، بل في الكيفية التي يُراد له أن يُطبق بها، وفي الثمن السياسي والدستوري الذي قد يُدفع تحت ذريعة "الكفاءة” و"الإدارة الحديثة”.
أحد أخطر الانزلاقات في هذا السياق هو الاعتقاد بأن نقل الصلاحيات الإدارية والمالية من الهيئات المنتخبة إلى مسؤولين مُعيّنين يمكن أن يشكل إصلاحًا حقيقيًا. فالإصلاح الإداري، في جوهره، لا يُقاس بعدد القرارات السريعة ولا بأسماء المناصب الجديدة، بل بمدى انسجامه مع مبادئ الشرعية الشعبية، والتمثيل الديمقراطي، والمساءلة العامة.
إن فكرة تعيين "مدير تنفيذي” في البلديات بصلاحيات واسعة تمس جوهر القرار المالي وشؤون الموظفين تثير تساؤلات عميقة تتجاوز البعد الإداري إلى البعد السياسي والدستوري. فالناخب حين يتوجه إلى صندوق الاقتراع لا يمنح صوته لهيكل إداري مُعيّن، ولا يفوض موظفًا تكنوقراطيًا، مهما بلغت كفاءته، بل يمنح ثقته لمجلس منتخب ورئيس بلدية منتخب ليكونا أصحاب القرار والمسؤولية أمامه.
وعندما تُسحب هذه الصلاحيات من المنتخب وتُمنح للمُعيّن، فإن العملية الانتخابية تُفرّغ من مضمونها، وتتحول المجالس البلدية إلى واجهات شكلية بلا سلطة حقيقية، بينما تتركز القوة التنفيذية والمالية في يد شخص لا يملك تفويضًا شعبيًا. هنا لا نكون أمام إصلاح إداري، بل أمام إعادة هندسة للسلطة المحلية على حساب الإرادة الشعبية.
الأخطر من ذلك أن هذا النموذج يخلق ازدواجية قاتلة في القرار: مجلس منتخب يتحمل عبء التوقعات الشعبية دون أدوات حقيقية، ومدير تنفيذي يمتلك القرار دون أن يخضع للمحاسبة الشعبية. فمن يحاسب هذا المدير؟ الناخب لا يملك هذه الأداة، والمجلس المنتخب يُجرّد منها، فتضيع المسؤولية بين النصوص والوظائف، ونكون أمام سلطة بلا مساءلة، وإدارة بلا تفويض.
إن الحوكمة الرشيدة، التي يُستشهد بها كثيرًا لتبرير هذا التوجه، تقوم أساسًا على ركيزتين لا تنفصلان: الكفاءة والمساءلة. الكفاءة دون مساءلة تتحول إلى استبداد إداري ناعم، والمساءلة دون صلاحيات تتحول إلى عبء سياسي بلا أثر. وأي نموذج إصلاحي يتجاهل هذه المعادلة محكوم بالفشل مهما بدا أنيقًا على الورق.
إن الطريق الحقيقي لتطوير الأداء البلدي لا يمر عبر إضعاف المجالس المنتخبة، بل عبر تمكينها إداريًا وماليًا، وبناء قدرات أعضائها، وتحسين أدوات الرقابة والتقييم، ضمن إطار واضح يخضع للمساءلة الشعبية والمؤسسية معًا. فالإصلاح لا يكون بالالتفاف على الديمقراطية المحلية، بل بتعميقها، ولا يكون بإفراغ اللامركزية من مضمونها، بل بجعلها أكثر فاعلية ومسؤولية.
في النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل نريد إدارة محلية كفؤة بلا شرعية، أم إدارة منتخبة قادرة وخاضعة للمحاسبة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد إن كنا نسير نحو إصلاح إداري حقيقي، أم نحو إعادة إنتاج مركزية مقنّعة باسم التطوير.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير