د. أمجد الفاهوم يكتب: الموظف في ملامح الإدارة الحديثة بين الوعي المهني وصيانة الذات
نبأ الأردن -
في ملامح الإدارة الحديثة لم يعد الموظف رقمًا عابرًا في كشف الرواتب، ولا ظلًا باهتًا في ممرات المؤسسة، بل غدا فاعلًا يترك أثره حيثما وُضع؛ إمّا أن يدفع عجلة العمل إلى الأمام، أو يساهم، من حيث لا يدري، في إبطائها. الفارق بين المسارين لا تحسمه المهارة وحدها، بل تصنعه البصيرة: كيف نفكّر، وكيف نقرأ اللحظة، وكيف نختار معاركنا، وما الذي نمنحه من طاقتنا، وما الذي نتجاوزه بحكمة.
الاعتراض لا يزيد الراتب، لكنه قد ينقص الصحة. حقيقة لا ترد في كتيّبات الموارد البشرية، غير أنّها تتكرّس يومًا بعد يوم في تفاصيل العمل. كم من موظف أنهكته نقاشات طويلة لم تغيّر قرارًا، ولم تُحسّن إجراءً، ولم تضف إلى رصيده سوى تعبٍ مقيم. في مؤسسات نراها يوميًا، يتحوّل المكتب أحيانًا إلى ساحة جدل، ويغادر التوتر مع الموظف ليكمل دوامه في البيت، فيختلط المساء العائلي بأصداء اجتماعات مؤجَّلة، وتُستنزف الطاقة حيث كان الأولى أن تُستثمر.
ومن هنا يبرز مبدأ جوهري في فلسفة الإدارة الحديثة: أن يعرف الموظف حدوده المهنية، وألّا ينشغل بما لا يعنيه. فالتدخل في تفاصيل خارج المسؤولية المباشرة لا يشتّت الجهد فحسب، بل يخلق احتكاكات غير ضرورية. الموظف الواعي يكرّس وقته لما كُلّف به، ويضع تركيزه في خدمة أهداف المؤسسة، لا في مراقبة الآخرين أو محاكمة القرارات من خارج موقعه التنفيذي. وحين تُوجَّه الطاقة نحو الإتقان والالتزام وتحقيق النتائج، يصبح الحضور قيمة مضافة، ويغدو العمل فعل بناء لا مصدر إنهاك.
وتكشف التجارب المهنية العابرة للثقافات هذا المعنى بجلاء. ففي مؤسسات يابانية، تُقدَّر قيمة الصمت المهني بقدر ما يُقدَّر الكلام؛ صمتٌ لا يعني التخاذل، بل الانضباط والتركيز. وفي شركات أوروبية كبرى، يُدرَّب الموظف على اختيار التوقيت والأسلوب قبل طرح الاعتراض، لأن الهدف تحسين الأداء لا تسجيل موقف. وحتى في شركات عالمية رائدة في وادي السيليكون، يُنظر إلى الجدل بوصفه أداة ابتكار إذا انضبط، ومصدر خطر واستنزاف إذا تحوّل إلى عادة.
في المقابل، نجد في بعض البيئات من يحوّل العمل إلى مواجهة يومية، يختبر فيها كل قرار، ويشكّك في كل إجراء، حتى يصبح الحمل النفسي أثقل من الواجب نفسه. ومع مرور الوقت، يدفع صاحب هذا السلوك ثمنًا باهظًا من صحته واستقراره، دون أن يغيّر مسارًا أو يصنع أثرًا.
وعلى الضفة الأخرى يقف موظف مختلف؛ يؤدي ما عليه بهدوء، يعرف حدوده، يحترم الوقت، ويفصل بين واجبه المهني وحياته الخاصة. لا يراكم الخصومات، ولا يسمح للتفاصيل الصغيرة أن تبتلع طاقته. هذا النموذج نراه في إدارات ناجحة داخل مؤسسات وطنية، حيث يُنجز العمل بإتقان، ويغادر الموظف يومه محتفظًا بتوازنه، ليعود في الغد بذهن صافٍ واستعداد متجدد.
ولا شك أن الإدارة الحديثة لا تبحث عن أعلى الأصوات، ولا تكافئ الاعتراض الدائم، بل تراهن على الإنسان المتزن القادر على تحويل العمل إلى قيمة مضافة. فالإيمان بأن الاعتراض وسيلة لا غاية، وأن الحكمة في توقيته وأسلوبه لا في كثافته، يفتح فرقًا واضحًا بين اعتراضٍ يُحسّن الأداء، وآخر يتحوّل إلى عبء على صاحبه وعلى المؤسسة معًا.
وفي بيئة عمل صحية، ينمو الموظف حين يدرك أن الالتزام لا يلغي الشخصية، وأن الهدوء لا يعني الضعف، وأن المطالبة بالحق لا تحتاج دائمًا إلى انفعال. أمّا حين يمنح نفسه سلطة النقد دون مساءلة، ويعيش في صراع دائم مع كل قرار، ويرى في كل إجراء استهدافًا، فإنه يهدم ذاته قبل أن يُصلح غيره، ويتيح للتوتر أن يعيد تشكيل مزاجه وعلاقاته ونظرته إلى العمل.
ليست كل معركة جديرة بأن تُخاض، ولا كل فكرة مخالفة تستحق أن ندفع ثمنها من أعصابنا وصحتنا. أحيانًا يكون الخيار الأذكى أن تؤدي عملك بإخلاص، وتأخذ حقك بوعي، وتغادر يومك المهني كما دخلته؛ دون ضغينة، ودون توتر مؤجَّل، ودون أن تحمل إلى بيتك ما لا طائل منه.
في النهاية، تنمو المؤسسات بموظفيها، لكن الموظف الواعي هو من يعرف كيف ينمو معها دون أن يذوب فيها، وكيف يعطيها من جهده دون أن يسلب نفسه حقه في الهدوء والاتزان. والسؤال الحقيقي ليس كيف نعترض، بل متى ولماذا وبأي ثمن.

























