د. محمد الجبور يكتب:الأحزاب السياسية في الأردن ركيزة مأسسة الحياة العامة ومسار التحول الديمقراطي
نبأ الأردن -
تُشكّل الأحزاب السياسية إحدى الدعائم الجوهرية في بنية أي نظام سياسي حديث، لما تضطلع به من أدوار مركزية في تنظيم المجال العام، وتأطير الفعل السياسي، وصياغة العلاقة المؤسسية بين الدولة والمجتمع، وفي السياق الأردني، تطوّر العمل الحزبي ضمن خصوصية سياسية دقيقة، قامت على معادلة متوازنة راعت متطلبات الاستقرار الوطني، وفي الوقت ذاته استجابت تدريجيًا لاستحقاقات الإصلاح السياسي والديمقراطي، ما منح التجربة الحزبية طابعًا تراكميًا يتقدّم ضمن إطار دستوري وقانوني واضح.
منذ إقرار الدستور الأردني عام 1952، أُسّست المرجعية الدستورية للعمل الحزبي، حيث كفل الدستور حرية الرأي والتعبير، والمساواة أمام القانون، وحق الأردنيين في تأسيس الأحزاب السياسية ضمن ضوابط المشروعية والسلمية، غير أن التحول المفصلي في مسار الحياة الحزبية تجسّد مع صدور قانون الأحزاب السياسية رقم (32) لسنة 1992، الذي أعاد الاعتبار للعمل الحزبي المنظم، وفتح المجال أمام التعددية السياسية بعد مرحلة طويلة من الجمود، ممهدًا لانتقال تدريجي نحو العمل السياسي المؤسسي.
وتواصل تطور الإطار القانوني الناظم للأحزاب عبر تعديلات تشريعية لاحقة، وصولًا إلى قانون الأحزاب السياسية رقم (7) لسنة 2022، الذي جاء منسجمًا مع مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية عام 2021، وقد أكّد هذا القانون على تعزيز العمل الحزبي البرامجي، وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية، وتشجيع الاندماج الحزبي، وتمكين الشباب والمرأة من الانخراط الفاعل في الحياة السياسية، بما يعكس تحولًا نوعيًا من التركيز على الشكل التنظيمي إلى تعميق المضمون السياسي والبرامجي.
في هذا الإطار، أسهمت الأحزاب السياسية في الأردن في نقل الممارسة السياسية من الطابع الفردي أو الظرفي إلى عمل مؤسسي منظم، قائم على البرامج والرؤى والالتزام التنظيمي، كما ساهمت في إعادة صياغة الخطاب السياسي الوطني، وتنظيم المشاركة الشعبية ضمن أطر قانونية واضحة، بما عزّز مفاهيم التعددية والمساءلة والمواطنة الفاعلة، وبرز دور الأحزاب كذلك في مجال التنشئة السياسية، من خلال تعزيز الوعي الدستوري، وترسيخ قيم الانتماء الوطني والعمل الجماعي، وتأهيل الأفراد للممارسة الديمقراطية، مع اهتمام متزايد بإشراك الشباب وتعزيز الحضور الفاعل للمرأة في الحياة السياسية بصورة أكثر واقعية واستدامة.
وعلى الصعيد البرلماني، لعبت الأحزاب دورًا متناميًا في تأطير العمل النيابي عبر تشكيل الكتل الحزبية داخل مجلس النواب، الأمر الذي أضفى قدرًا أكبر من الانضباط والتنظيم على النقاشات التشريعية، ووحّد المواقف السياسية، وعزّز فاعلية الدورين التشريعي والرقابي، وقد مكّن هذا التأطير الأحزاب من المساهمة بفاعلية في صياغة القوانين ومراجعتها، وتقديم المبادرات التشريعية، وممارسة الرقابة على أداء السلطة التنفيذية من خلال أدوات الاستجواب والمساءلة، ومناقشة الموازنات العامة، وصولًا إلى صلاحيات حجب الثقة، بما يعزّز مبدأ الفصل بين السلطات ويُرسّخ قواعد الرقابة الديمقراطية.
ولا يقتصر دور الأحزاب على الأبعاد التشريعية والرقابية، بل يمتد إلى الأدوار البرامجية والسياسية الأوسع، حيث تعمل على بلورة السياسات الوطنية عبر برامج تستند إلى تشخيص واقعي للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتقديم حلول عملية لها، كما تسهم في توجيه الرأي العام، وصياغة النقاش السياسي حول القضايا الوطنية والإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على المقدسات، بما يعكس الثوابت الوطنية الأردنية ضمن الإطار الدستوري والمؤسسي للدولة.
ومع إطلاق مسار التحديث السياسي، تعزّزت مكانة الأحزاب بوصفها الرافعة الأساسية للتحول نحو حكومات برلمانية قائمة على الأغلبية الحزبية، في تعبير واضح عن انتقال الدولة من إدارة السياسة إلى مأسستها، وقد أكّد هذا المسار على ضرورة تطوير البنية التنظيمية للأحزاب، ورفع كفاءة كوادرها، وتعزيز الشفافية والمساءلة الداخلية، وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، بما يضمن حضورًا فاعلًا ومسؤولًا للأحزاب في صناعة القرار الوطني.
الأحزاب السياسية في الأردن تمثل ركيزةً أساسية لتأطير الحياة السياسية، وتنمية الثقافة الديمقراطية، وصياغة السياسات العامة داخليًا وخارجيًا، ضمن إطار دستوري وقانوني راسخ، ويظل مستقبل النظام السياسي الأردني مرهونًا بقدرة الأحزاب على تطوير أدائها المؤسسي، وترسيخ العمل البرامجي، وتعزيز الشراكة مع المجتمع والدولة، بما يحقق التوازن المنشود بين الإصلاح والاستقرار، ويؤكد أن الأحزاب ليست مجرد أدوات سياسية، بل شريك وطني أصيل في بناء الدولة وصناعة القرار.

























