د. راكان أبو طرية يكتب: فنزويلا بين سردية مكافحة المخدرات ومنطق المصالح الاقتصادية
نبأ الأردن -
قراءة تحليلية في الدوافع، السياق، والانعكاسات على النظام الدولي .
بقلم الدكتور راكان أبو طرية
أستاذ العلوم السياسية
أثارت الأنباء المتداولة حول تعرض الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لعملية اختطاف أو اعتقال قسري خارج الأطر القانونية والدبلوماسية المعروفة جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والقانونية الدولية. ولا تكمن خطورة الحدث – إن ثبتت وقائعه – في طبيعته الاستثنائية فحسب، بل في الدلالات التي يحملها على مستوى سيادة الدول ومستقبل النظام الدولي.
وبعيدًا عن الانفعال السياسي، تفرض هذه القضية مقاربة موضوعية تبحث في الدوافع المحتملة، والسياق التاريخي، والمصالح الاقتصادية، ومدى التوافق مع القانون الدولي.
أولًا: الدوافع المعلنة – مكافحة المخدرات وحدود المصداقية
تستند الرواية الأمريكية منذ سنوات إلى اتهام النظام الفنزويلي بالتورط في تسهيل شبكات تهريب المخدرات. غير أن المعطيات الدولية تشير إلى أن:
فنزويلا ليست دولة منتِجة رئيسية للمخدرات، بل تُعد في الغالب دولة عبور ضمن شبكة إقليمية أوسع.
الجزء الأكبر من المخدرات التي تصل إلى الولايات المتحدة يمر عبر المكسيك وأمريكا الوسطى.
ربط ارتفاع الجريمة داخل الولايات المتحدة بدولة بعينها يتجاهل عوامل داخلية بنيوية، أبرزها الطلب المحلي وسياسات السلاح.
وعليه، تبدو سردية مكافحة المخدرات غير كافية وحدها لتفسير خطوة بحجم استهداف رأس الدولة الفنزويلية.
ثانيًا: العامل الاقتصادي – "فتح النفط” كمصلحة غير معلنة
يمثل النفط الفنزويلي أحد أكثر العوامل حساسية في هذه القضية. ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مُثبت عالميًا، لكنه ظل لسنوات خارج دائرة الاستفادة الأمريكية المباشرة بسبب العقوبات وسياسات التأميم.
في حال تغيّر النظام السياسي، من المرجح:
إعادة فتح قطاع النفط أمام الشركات الأمريكية والغربية.
إعادة دمج فنزويلا في سوق الطاقة العالمية.
تعزيز أمن الطاقة الأمريكي وتقليل كلفة الاستيراد نظرًا للقرب الجغرافي.
اقتصاديًا، سيعود ذلك بمكاسب على:
شركات الطاقة والبنية التحتية الأمريكية.
سوق العمل.
مكانة الدولار في تجارة النفط الإقليمية.
غير أن تحقيق مكاسب اقتصادية عبر تغيير الأنظمة بالقوة يطرح إشكالية أخلاقية وقانونية تتجاوز الحسابات المالية البحتة.
ثالثًا: فنزويلا في عهد مادورو – تقييم غير أحادي
منذ تولي نيكولاس مادورو الحكم عام 2013، شهدت فنزويلا أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، تمثلت في:
تضخم مفرط.
تراجع العملة.
تدهور الخدمات.
هجرة واسعة النطاق.
في المقابل، تمكنت الدولة من:
الحفاظ على استمراريتها ومنع الانهيار الكامل.
الإبقاء على بعض برامج الدعم الاجتماعي.
الصمود أمام نظام عقوبات غير مسبوق.
لذا، فإن تقييم حكم مادورو يظل موضع انقسام سياسي وفكري، ولا يمكن اختزاله في صورة واحدة.
رابعًا: الخلفية التاريخية – التدخل كأداة متكررة
تاريخ العلاقات الأمريكية مع أمريكا اللاتينية يكشف نمطًا متكررًا من التدخل تحت ذرائع مختلفة: مكافحة الشيوعية سابقًا، ثم مكافحة المخدرات والدفاع عن الديمقراطية لاحقًا.
هذا الإرث التاريخي يجعل أي عملية من هذا النوع جزءًا من سياق بنيوي لا حادثة منفصلة.
خامسًا: القانون الدولي ومبدأ السيادة
من منظور القانون الدولي:
اختطاف أو اعتقال رئيس دولة دون تفويض دولي صريح يُعد انتهاكًا لمبدأ السيادة وعدم التدخل.
ميثاق الأمم المتحدة لا يجيز تنفيذ عمليات قسرية أحادية استنادًا إلى اتهامات وطنية.
وتكمن الخطورة في خلق سابقة قد تُضعف المنظومة القانونية الدولية برمتها.
سادسًا: هل يهدد ذلك السلم العالمي؟
إذا جرى تطبيع هذا النموذج، فإن النظام الدولي قد ينتقل من:
حكم القانون
إلى
قانون القوة
وهو ما قد يشجع قوى كبرى أخرى، مثل روسيا أو الصين، على تبني النهج ذاته، بما يقوض دور الأمم المتحدة ويزيد احتمالات الصدام الدولي.
في الختام إن قضية فنزويلا تتجاوز شخص الرئيس أو طبيعة النظام، لتلامس جوهر النظام الدولي نفسه.
فالدول لا تُدار عبر العمليات الخاصة، ولا تُبنى الشرعية بالقوة، بل عبر احترام السيادة والقانون الدولي.
وإذا ما أصبح اختطاف الرؤساء أداة مشروعة في السياسة العالمية، فإن العالم لن يصبح أكثر أمنًا، بل أكثر هشاشة وفوضى.

























