د. وليد العريض يكتب: فتيات النَّرْجِس والرَّنْجِس: سلفيت، السلط، عجلون لوحة: الفنان محمد الدغليس

د. وليد العريض يكتب: فتيات النَّرْجِس والرَّنْجِس: سلفيت، السلط، عجلون لوحة: الفنان محمد الدغليس
نبأ الأردن -
أنا سلفيت.
الأخت الكبرى.
لا لأنني أعلى الجبال، بل لأنني أقدم الذاكرة.
حين أتكلم، لا أشرح نفسي، بل أتنفّس… فيفهمني العطر.
لي أختان، نعرف بعضنا قبل الأسماء، ومن الرائحة قبل الطريق.
عجلون هي الوسطى، حكيمة الغابة وهادئة الظل،
والسلط هي الصغرى، خفيفة القلب وقريبة الخطى.
نحن ثلاثتنا نُدعى في الربيع باسمٍ واحد: النَّرْجِس حين يُقال رسميًا، والرَّنْجِس حين تُناديه الأرض بحنانها.
أنا سلفيت،
علّمتُ الرَّنْجِس كيف يخرج من الصخر دون أن ينكسر،
وكيف يقف أبيضَ بين الحجارة دون أن يعتذر.
منّي تعلّم أن الجمال لا يحتاج إذنًا،
وأن الرائحة حين تصدق، تصبح لغة، وحين تُحبّ، تصير وطنًا.
عجلون، أختي الوسطى،
تحمله على كتفيها كغابة،
تُربّيه على الصبر الطويل،
وتعلّمه كيف يستريح في الظلّ،
وكيف يكون أخضر القلب حتى وهو أبيض الزهرة.
تمنحه سكينة الأشجار،
وتعلّمه أن العطر إذا طال مكثه صار ذاكرة.
أمّا السلط، أختنا الصغرى،
فهي ضحكة الرَّنْجِس حين يهبط من الجبل،
وخفة العطر وهو يتعلّم المدينة.
تفتح له شبابيكها،
وتعلّمه أن الرائحة تستطيع أن تعيش بين البيوت
كما تعيش في البراري،
وأن الجمال إذا اقترب من الناس صار أليفًا.
نحن ثلاث فتيات،
لا نختلف في الجوهر،
ولا نغار من العطر.
المسافة بيني وبين السلط
هي ذاتها تقريبًا بينها وبين عجلون،
ولا تزيد المسافة بيني وبين عجلون إلا قليلًا،
كأن الأرض تعمّدت أن تجعلنا متساويات
حتى لا تتقدّم واحدة على الأخرى إلا بالمحبة.
نتبادل الرَّنْجِس كما تتبادل الأخوات السرّ.
أرسله أنا مع الهواء،
تستقبله عجلون بحنان الغابة،
ثم تعيده السلط أخفّ،
أكثر مرحًا،
وأقرب إلى القلب.
يمرّ عطرنا على نابلس كالسلام،
وعلى القدس كالدعاء،
ويعبر شمال الأردن كالأغنية،
ثم يعود إلينا…
لأن الأخوّة لا تعرف اتجاهًا واحدًا.
نحن لا نسأل عن الشرق والغرب.
الرَّنْجِس ابن الماء القديم،
ابن النهر القومي العظيم باسمه الأول،
حين كانت الضفتان شقيقتين بلا سؤال.
نشرب من ذات المطر،
ونستفيق على ذات الشمس،
ونعرف أن الأرض حين تتوحّد
تفوح.
وفي النهاية،
أنا سلفيت،
مسقط رأس الفنان والكاتب،
وأخت السلط وعجلون.
من ترابي خرجا،
ومن هوائي تعلّما المعنى،
ومن عطري حملا ما لا يُرى ولا يُقال.
يحملان رائحتنا في ريشتهما وكلماتهما،
في روحهما قبل أدواتهما،
وفي وطنيتهما القومية الصادقة قبل أي توقيع.
تعطّرت أنوفهما بعطرنا،
وتعطّرت أقدامهما بترابنا:
بسلفيت،
بعجلون،
بالسلط،
وبعمّان التي تشبهنا جميعًا.
ولا فرق بيننا.
كلّنا فتيات النَّرْجِس والرَّنْجِس،
وكلّنا ننجب أبناءنا
وهم يحملون الرائحة قبل الاسم.
هكذا نقول من دون أن نرفع صوتنا:
نحن ثلاث أخوات،
لكن عطرنا واحد
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions