محمد علي الزعبي يكتب:بين عدالة النقد ومسؤولية الإنصاف في الهجوم على الأشغال والإدارة المحلية
نبأ الأردن -
حين تختبر السماء الأرض، لا يكون الامتحان موجهًا لمؤسسة بعينها بقدر ما هو اختبار شامل لقدرة الإنسان والدولة على إدارة الاستثناء، لا التعامل مع الحالة الاعتيادية، هذا ما شهده الأردن خلال الأمطار الغزيرة الأخيرة، وما تبعها من حملة نقد واسعة طالت وزارة الأشغال العامة والإسكان ووزارة الإدارة المحلية، اختلط فيها النقد الموضوعي بانفعالات قاسية وأحكام مُسبقة افتقرت أحيانًا إلى التوازن والإنصاف.
في كل دول العالم، بما فيها الدول العظمى ذات البنى التحتية المتقدمة، تتعرض المدن لاختناقات مرورية، وتفيض الشوارع والأنفاق، وتتأثر مرافق حيوية عند هطول أمطار استثنائية تفوق المعدلات الطبيعية، مشاهد مشابهة رأيناها في عواصم كبرى، ولم تُقدَّم حينها كدليل انهيار مؤسسي، بل كحالات طارئة تستوجب التقييم والمراجعة والمعالجة، فحين تتجاوز الطبيعة حسابات الإنسان، تختبر الجاهزية لا الكمال، وتكشف حدود الإمكانات مهما بلغ مستوى التخطيط،
من غير المنصف تحميل وزارة الأشغال أو وزارة الإدارة المحلية كامل المسؤولية بمعزل عن السياق المناخي الاستثنائي، أو دون التوقف عند واقع البنية التحتية القائمة، وقدم بعض شبكات التصريف، والتوسع العمراني المتسارع الذي لم تواكبه في بعض المناطق تحديثات جذرية موازية، هذه ليست تبريرات، بل معطيات واقعية يجب أخذها بالحسبان قبل إطلاق الأحكام القاطعة أو تعميم الاتهام.
الدفاع عن الوزارتين لا يعني إنكار حق المواطن في النقد أو المطالبة بالمحاسبة، فالمساءلة حق أصيل، والنقد المسؤول ضرورة لأي إصلاح حقيقي، لكن الفارق واضح بين نقد يسعى إلى تحسين الأداء وتقديم حلول، وحملة تنطلق من الغضب والتهويل، وتتجاهل الجهد الميداني الكبير الذي بذلته كوادر الأشغال والبلديات، والتي كانت حاضرة في الميدان منذ اللحظات الأولى، تعمل تحت المطر وفي ظروف قاسية، بعيدًا عن الأضواء والضجيج.
إدارة الأزمات لا تُقاس فقط بعدم وقوع المشكلة، بل بسرعة الاستجابة، وتقليل حجم الأضرار، والقدرة على التعلم مما جرى لتفادي تكراره مستقبلًا، وما حدث يؤكد أننا أمام منظومة تحتاج إلى تطوير وتعزيز وتحديث، لا إلى جلدٍ دائم أو تشكيك شامل بنوايا العاملين فيها، فالمؤسسات العامة تعمل ضمن موازنات محددة وخطط مرحلية، لا ضمن رفاهية الموارد المفتوحة أو القرارات السهلة.
الإنصاف يقتضي أن يبقى النقاش في إطار العقل لا الانفعال، وأن يُوجَّه النقد حيث يجب دون كسر الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، فالدولة لا تُبنى بالتشهير، ولا تُصلَح بالصراخ، بل بحوار مهني، وتخطيط واقعي، وإرادة إصلاح تعترف بالتقصير إن وجد، وتُقدّر الجهد حين يكون صادقًا.
بين عدالة النقد ومسؤولية الإنصاف، تقف الحقيقة في المنتصف،، نحتاج إلى بنية تحتية أكثر جاهزية، وإدارة محلية أكثر كفاءة، ونقاش وطني هادئ يضع المصلحة العامة فوق الانفعال الآني، ويجعل من كل أزمة فرصة للتطوير، لا منصة للهجوم فقط.























