اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عاطف أبو حجر يكتب: حكايتي والحج

عاطف أبو حجر يكتب: حكايتي والحج
نبأ الأردن -
ما أعظمها من لحظات حين يختار الله عبده لزيارة بيته الحرام، فتتحول الأحلام إلى واقع، وتغدو الدعوات التي طالما ردّدها القلب حقيقة تُعاش بكل تفاصيلها. فالحج ليس مجرد رحلة سفر، بل رحلة روح إلى الله، تتطهّر فيها النفوس، وتدمع فيها العيون شوقًا وهيبةً أمام أعظم المشاهد الإيمانية. هناك، عند الكعبة المشرفة، يشعر الإنسان بصِغره أمام عظمة الخالق، ويكتشف أن أجمل ما في الحياة هو القرب من الله وملامسة السكينة التي لا تُشترى بثمن.

قبل عقدٍ من الزمان، وفي مثل هذه الأيام المباركة، تفاجأت باتصال هاتفي من شقيقي يقول:
"بعد 48 ساعة أنت مسافر إلى السعودية مع الوالدة كمَحرم."

عند سماعي الخبر، شعرت أن قلبي يسبقني إلى مكة والمدينة قبل أن أتحرك من مكاني، وكأن حلمًا طال انتظاره أصبح حقيقة في لحظة واحدة.

وفي الوقت المحدد انطلقت رحلتنا نحو الأراضي المقدسة، لكن البداية لم تخلُ من موقف طريف؛ فعند وصولنا إلى الدوار الثامن اكتشف مشرف الرحلة أنه نسي جوازات سفر الركاب في المكتب، فتوقف الباص على جانب الطريق، وبدأ القلق يتسلل إلى الجميع، حتى حضر مندوب المكتب بالجوازات، فعادت الطمأنينة والابتسامة إلى الوجوه.

واصلنا الرحلة مرورًا بمحافظة معان وأهلها المعروفين بكرم الضيافة، ثم اجتزنا الحدود الأردنية والسعودية بكل يسر، وسط تعامل راقٍ من موظفي البلدين.

وبعد ساعات طويلة وصلنا إلى المدينة المنورة، المدينة التي تهفو إليها الأرواح قبل الأجساد. هناك تشرفنا بالصلاة في المسجد النبوي، وزيارة الروضة الشريفة، والسلام على النبي ﷺ. كانت لحظات مهيبة تغمر القلب بالسكينة والدعاء.

بعدها بيومين تحركنا إلى مكة المكرمة، وهناك بدأت رحلة المناسك. أحرمنا من الميقات، ثم توجهنا إلى المسجد الحرام لأداء طواف القدوم، أعقبه السعي بين الصفا والمروة، وشرب ماء زمزم وسط مشاعر من الخشوع والرهبة والفرح.

ثم توالت مناسك الحج المباركة؛ الوقوف بعرفة، والمبيت في مزدلفة، ورمي الجمرات، والهدي والتحلل، ثم طواف الإفاضة وطواف الوداع، حتى أتممنا الحج بفضل الله ومنّه.

وخلال الرحلة مررنا بمواقف كثيرة لا تُنسى. فقبل السفر سألت كثيرين عن الحج، فكان لكل شخص وصية أو طلب؛ فمنهم من قال: "يا نيالك، أجتك الحجة عالبارد المبرد"، ومنهم من أوصاني بالدعاء، وآخر طلب ماء زمزم أو التمر، بينما طلب أحدهم ساعة سويسرية، وطلبت إحدى الجارات من الوالدة "طقم حرامات النمر"، في قائمة طويلة من الطلبات الطريفة.

أما خالي فقد قدّم لي نصيحة لا أنساها، فقال:
"إياك أن تكثر الأكل والشرب بالطريق، وخذ كميات بسيطة حتى لا تحتاج للتوقف كثيرًا، ولا تنسَ أن تخفف شعر رأسك."

ومن المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرتي أن أحد الحجاج اصطحب معه صندوق بندورة وصندوق خيار وشوال بطاطا، بينما حمل بقية الحجاج — وأنا أولهم — قطرميزات المكدوس والزيتون والزيت والجبنة واللبنة، وكأننا ذاهبون في رحلة حول العالم.

كما لفتني كرم أهل المناطق السعودية، فقد كانوا يوزعون الماء والتمر والوجبات الخفيفة على الحجاج داخل الباصات بكل محبة وابتسامة.

ولا أنسى المواقف الطريفة التي عشناها؛ كشريط الفيديو القديم الذي كان يُعرض في الباص عن مناسك الحج في منتصف السبعينات، وكذلك الليلة التي انفجر فيها أحد إطارات الباص، ولطف الله بنا جميعًا.

ومن أكثر اللحظات رسوخًا في الذاكرة وصولنا إلى الفندق في مكة عند الساعة الثالثة فجرًا، ثم رؤية الكعبة المشرفة للمرة الأولى، وأداء صلاة الفجر في الحرم المكي. كما اكتشفت أهمية "كريم السماط"، ولا أنسى بحثي عن كرسي متحرك قرب الحرم لأطوف بوالدتي، وكم كان ذلك يشعرني بالفخر والبرّ والرحمة.

كما ضاع أحد الحجاج منا، وبقينا يومين كاملين نبحث عنه حتى عثرنا عليه، ثم تجولنا بعد ذلك في الأسواق لشراء هدايا الحج للأهل والأحباب.

إنها حقًا رحلة العمر… رحلة إيمانية عظيمة ستبقى محفورة في الذاكرة ما حييت. وأسأل الله أن يكتبها لي مرة أخرى، وأن يرزق كل مشتاق زيارة بيته الحرام والوقوف على عرفات.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions