م.صلاح طه عبيدات يكتب: حين يُجرَّم الوعي

{title}
نبأ الأردن -
ليس ما يجري حدثًا عابرًا،
ولا أزمة سياسية طارئة،
بل لحظة كاشفة…
لحظة تُسقِط الأقنعة عن نظامٍ عالميٍّ
لم يكن يومًا محايدًا،
ولا عادلًا،
ولا بريئًا.
في اللحظة العربية الراهنة،
حين تتكاثف الخيبات،
ويصير الصمت سياسة،
والحياد تواطؤًا أنيقًا،
يُعاد تعريف الجريمة:
لم تعد الجريمة احتلالًا،
ولا حصارًا،
ولا نهبًا طويل الأمد،
بل أن تقول: لا.
أن تكون عربيًا اليوم
لا يعني فقط أن تحمل ذاكرة مثقلة،
بل أن تعيش امتحانًا أخلاقيًا دائمًا:
هل تصمت كي تنجو؟
أم تنطق كي تبقى إنسانًا؟
النظام الدولي — الذي يُفترض أنه حارس القانون —
كشف في الحدث العربي وجهه الحقيقي:
إنه لا يخشى الدم،
بل يخشى الوعي حين يصبح موقفًا.
لا يرعبه الخراب،
بل ترعبه الشعوب حين تربط بين ما تعيشه
وما يُفرض عليها باسم "الاستقرار”.
في العالم العربي،
لم تكن التبعية مجرد خيار سياسي،
بل تحولت إلى بنية ذهنية:
اقتصاد مرتهن،
قرار مؤجَّل،
وسيادة مشروطة بموافقة الغير.
وحين حاولت شعوب أن تخرج من هذا القالب،
لم تُواجَه بالحوار،
بل بالتجويع،
بالعزل،
وبشيطنة الحلم نفسه.
الحدث العربي الأخير
لم يكن صراعًا على أرض فقط،
بل صراعًا على المعنى:
هل يحق لشعوب هذه المنطقة
أن تسمي الظلم ظلمًا؟
أن ترى نفسها خارج دور "الساحة” و"الملف”
و"ورقة التفاوض”؟
هنا تحديدًا
يبدأ العقاب.
ففي منطق القوة،
التحرر ليس حقًا،
بل عدوى.
والوعي ليس فضيلة،
بل تهديد.
ولهذا،
كل صوت عربي حاول أن يربط بين قهره
وقهر غيره،
بين تبعيته وتبعية العالم الأضعف،
وُضع تحت المجهر،
ثم تحت الضغط،
ثم تحت الاتهام.
ما يخشاه هذا النظام
ليس أن تنتصر أمة بالسلاح،
بل أن تنتصر بالسؤال.
السؤال الذي يهدم الرواية،
ويُسقط شرعية الصمت،
ويكشف أن ما سُمّي "واقعية سياسية”
لم يكن سوى استسلام مؤجل.
في الحدث العربي،
رأينا كيف تُدار المعادلة:
من يلتزم الصمت يُكافأ،
ومن يرفع صوته يُعاقَب،
ومن يحاول الربط بين التحرر والكرامة
يُتَّهم بالفوضى أو التطرف أو "تهديد الاستقرار”.
لكن الفلسفة — لا السياسة —
تعلمنا حقيقة لا يريدون سماعها:
أن الاستقرار الذي يُبنى على إنكار الإنسان
ليس استقرارًا،
بل هدنة قبل الانفجار.
العالم العربي اليوم
لا يواجه أزمة موارد،
ولا أزمة حدود،
بل أزمة معنى:
هل نحن شعوب خُلقت لتتبع؟
أم كي تختار؟
والاختيار — كما يعلم التاريخ —
هو أكثر ما تخشاه الإمبراطوريات.
ليس صدفة
أن تُحاصر كل تجربة تحاول أن تقول:
نريد اقتصادًا لا يُدار من الخارج،
قرارًا لا يُكتب في السفارات،
وموقفًا لا يُقايَض بالمساعدات.
فالتحرر،
حين يصبح عربيًا،
يصير فعلًا وجوديًا،
لا بيانًا سياسيًا فقط.
وفي هذا العمق،
نفهم أن المعركة ليست بين دول،
بل بين تصورين للإنسان:
إنسان تابع،
وإنسان حر.
الأول يُطلب منه أن يصمت كي يعيش،
والثاني يعرف أن الصمت
شكل آخر من الموت.
لهذا،
ليس ما يحدث عقابًا لدولة،
بل إنذارًا لأمة:
إياكم أن تفكروا خارج السقف،
إياكم أن تربطوا بين كرامتكم وقراركم،
إياكم أن تصدقوا أن التبعية مؤقتة.
لكن التاريخ — مرة أخرى —
لا يقف مع الصامتين طويلًا.
ولا يحفظ أسماء الذين برروا الخضوع،
بل أسماء الذين دفعوا ثمن الوعي.
في الحدث العربي،
لم تُختبر الجيوش فقط،
بل الضمائر.
ولم تُحاصَر المدن وحدها،
بل الأسئلة.
ومع ذلك،
تبقى الحقيقة الأكثر رعبًا للنظام العالمي:
أن الشعوب التي تفهم
قد تتأخر…
لكنها لا تنسى،
ولا تعود كما كانت.
فالتحرر،
حين يولد في الوعي العربي،
لا يموت.
يتحول إلى زمن.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير