د.وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يستجاب فيهاالدعاء(51)

{title}
نبأ الأردن -
خطفوا الرأس… وتركوا الغابة تحكم
في تلك الغابة التي تشبه خرائطنا أكثر مما نحبّ أن نعترف، استيقظت الحيوانات على خبرٍ صاخب: رأسٌ من رؤوس الحكم اختُطف وارتفعت الأصوات من خلف البحار تعلن أن العدالة قد وصلت أخيرًا. عُلّقت الصورة على كل جذع، وتكرّر المشهد حتى ظنّ البعض أن الغابة تغيّرت.
لكن الغابة لم تتغيّر.
فالذين اعتقدوا أن المشكلة كانت دائمًا في الرأس وحده، لم يفهموا كيف تُدار الغابات. هنا لا تحكم الرؤوس فقط، بل تحكمها السلاسل التي تحتها، والأقفاص التي قبلها والقطعان التي اعتادت أن تُقاد باسم الأمن وباسم الخوف وباسم "ليس الآن”.
الرأس يُؤخذ،
لكن الذراع باقية
والملفات في الأدراج
والأجهزة في مواقعها،
واللغة ذاتها تُعاد بصياغة أخفّ.
وفي الزوايا المعتمة، لا تحتاج السلطة إلى كثير من الوقت. يخرج البديل بهدوء، لا ليغيّر النهج، بل ليُحسن تسويقه. يقول للغابة: اطمئنوا، الاستمرارية فضيلة والاستقرار أهم من العدالة والعدل… سيأتي لاحقًا. وهنا تفهم الحيوانات المتعبة أن "لاحقًا” هذه هي الاسم الرسمي للظلم في الغابات.
في تلك الغابة، تكرّر المشهد مرارًا.
سقط حاكم، فبقي النظام.
مات رأس، فحكم الظل.
تغيّر الاسم، فبقي النهج.
ولم يكن السؤال يومًا: من يجلس على العرش؟
بل: لماذا لم يُكسر العرش أصلًا؟
العدل هنا بطيء عن قصد، لأن السرعة تُربك التحالفات، وتُغضب الرعاة وتُفزع المستفيدين. العدل البطيء في هذه الغابة ليس فشلًا إداريًا، بل سياسة محسوبة. فكل تأجيلٍ يمنح الظالم فرصة جديدة وكل تحقيقٍ بلا نهاية يدرّب الضحية على النسيان وكل لجنةٍ بلا نتائج تُعيد تعليم القطيع فنّ الصبر القسري.
وحين يخرج صوت حكيم، أو بومة عجوز، ليقول إن تغيير الغابة لا يكون بخطف رأسٍ ولا بتدوير أسماء، بل بتفكيك المنظومة، يُتهم بإثارة الفوضى وبأنه لا يفهم "خصوصية الغابة” وبأن الوقت غير مناسب،وبأن البديل أسوأ. هكذا تُخنق الحقيقة لا بالمخالب، بل بالتحذيرات.
وفي النهاية، تُرفع الأيدي إلى السماء. دعاء طويل، صادق في الصوت، كاذب في الفعل. السماء لا تجيب، لا لأنها لا تريد، بل لأن الغابة نفسها لا تريد أن تتغيّر. فالذي يخاف من الحرية، لا يستحق معجزة والذي يتعايش مع القفص، لا يحقّ له أن يشتكي من ضيقه.
يبقى الرأس في القفص للعرض
ويبقى النظام في مكانه للإدارة
وتبقى الغابة تحكم…
ويُعلَّق الدعاء.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير