د. تيسير أبوعاصي يكتب: من وحي كليلة ودمنة

{title}
نبأ الأردن -
 وقال الثعلب ذات يوم أيها الحَمَلُ، مالي أراك تهزأ من وجودي، فكيف تنظر لي بازدراء؟ وكيف ترمقني شزرًا؟ فلقد ضقتَ بسكينتي ذرعًا، وأربكتَ أنفاسي وتاهت بي العِبَر.
أقسم الحَملُ أنه لا شأنَ له بما ورد، وهو الضعيف الذي ألِف الجدران يتلطَّى في ظلالها طالبًا كفاف العيش وسترة الحال، وهو يسير على رؤوس أظلافه خشية أن يُحدِث أية جلبة تعود عليه بسوء.

حينئذٍ هَمَّ الثعلبُ أن يُصعِّد في وجهة نظره، فشكَّك وكذَّب ادِّعاء الحَمل المسكين وحمَّله تهمة الإساءة إلى شخصه، مما انعكس عليه نفسيًّا وجسديًّا.

بدأ الحَمَل يبحث عن مخرج ممكن أن يُخرجه من أزمة الأمر الواقع تلك، وقام بصياغة وإعداد أوراقه التفاوضية كي يطرحها على طاولة مستديرة يتنادى عليها وغريمه وبعض الثقات الضامنين لنتائج الحوار وإحقاق العدالة (كون الحق عُرفًا هو أبلج، والباطل لجلج)

يوم الحوار نهض الحَمَل باكرًا وأخذ يعيد القراءة سرًّا لنقاطه الأساسية التي أعدَّها بإتقان لتكون مرافعة حصيفة رصينة.

في طريقه إلى خيمةِ الحوار وقبل الدخول إلى المكان مع الوفود المعنية، وجد الثعلب، وفي عيونه
أمرٌ يختبئ خلف أجفانه المواربة وأسنان تهمس بمفردات تتقدم لتعيد صياغة اتهام جديد.

أفصح الثعلب عن اتهام طارئ بأن الحَمل قد ارتكب حماقة للتوِّ وهذا ما قد أفسد تقنية الحوار وجوهره، تلك الحماقة المستنكرة بأن الحمل قد أثار الغبار أثناء مسيره مما أساء إلى الثغلب المسكين.

قرر الحَمَل حينئذٍ أن يرضخ إلى عدالة الأمر الواقع، طالبًا من الثعلب أنَّ الأصل في المسألة أن يأكله، كون القضاء عليه هو قرار مُتَخَذٌ مُسبقًا قبل الالتئام إلى حوار يفضي إلى ذات النتيجة، وذات القدر.

الثعلبُ والحملُ نموذجان يتكرران في الملايين من بني البشر.

فلكلٍّ صورتُه في بازارِ البشرية العرجاء، وقدوتُه في بورصةِ الإنسانيةِ الشوهاء.

وما حدا أحسن من حدا.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير