وائل منسي يكتب : أحداث فنزويلا .. إنذار مبكر لتآكل القانون الدولي
نبأ الأردن -
في عالمٍ يتسارع فيه نبض السياسة الدولية وتتشابك فيه الحقيقة مع الدعاية، فجّرت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بشأن فنزويلا عاصفة من الجدل، حين أعلن عن هجوم عسكري أمريكي واسع النطاق أسفر، بحسب روايته عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما خارج البلاد إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهما بتهم الاتجار بالمخدرات والإرهاب. الإعلان الذي نُشر عبر منصة Truth Social، وترافق مع حديث عن انفجارات في كاراكاس، وطيران منخفض، وحظر للرحلات الجوية الأمريكية فوق الأجواء الفنزويلية، بدا كأنه لحظة فاصلة، لكن سرعان ما انكشف الغموض الذي يلفه، مع نفي الحكومة الفنزويلية الرسمي للاعتقال واعتبار ما جرى "عدواناً إمبريالياً”، ودعوة وزير الدفاع إلى المقاومة، في ظل غياب أي تأكيد مستقل أو صورة واضحة عمّن يدير البلاد فعلياً.
هذا الغموض ليس تفصيلاً عابراً، بل جزء من جوهر المشهد. فمنذ مارس 2020، ووزارة العدل الأمريكية توجه اتهامات ثقيلة لمادورو وعدد من أركان نظامه، مع رصد مكافآت مالية ضخمة دون أن يترجم ذلك إلى اعتقال فعلي أو تدخل عسكري مباشر مثبت.
الجديد في تصريحات ترامب ليس فقط ادعاء التنفيذ، بل رفع السقف السياسي والإعلامي إلى حد إعلان إسقاط رأس النظام نفسه.
هنا تتجلى "خبث” هذا الخطاب من حيث تعدد أهدافه: فهو، سواء كان يعكس عملية حقيقية أو مجرد تصعيد دعائي محسوب، يسعى إلى تعميق عزلة النظام الفنزويلي دولياً، وتقويض شرعية مادورو عبر تقديمه كـ"مجرم دولي” لا كرئيس دولة، مع إعادة ضخ الزخم في شرعية المعارضة، وعلى رأسها خوان غوايدو، الذي لطالما حظي بدعم أمريكي بوصفه رئيساً مؤقتاً.
داخلياً، يخدم هذا الخطاب صورة ترامب كقائد حاسم لا يتردد في استخدام القوة، وهي صورة ذات قيمة انتخابية عالية في لحظات الاستقطاب. لكن الخيط الأعمق يمر عبر الجغرافيا السياسية والاقتصاد، وتحديداً النفط. ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، وقطاعها النفطي المنهك بفعل العقوبات وسوء الإدارة يشكل هدفاً استراتيجياً بامتياز.
أي ضغط أمريكي، سواء أكان عسكرياً مباشراً أم تصعيداً نفسياً وسياسياً، يندرج ضمن محاولة التحكم بتدفقات هذه الموارد أو على الأقل حرمان منافسين دوليين مثل الصين وروسيا من الاستفادة منها، في إطار صراع أوسع على النفوذ في نصف الكرة الغربي.
إقليمياً، لا يحدث هذا التصعيد في فراغ.
دول مثل كوبا ونيكاراغوا وبوليفيا سارعت إلى رفض أي تدخل أمريكي، معتبرة ما يجري انتهاكاً صارخاً للسيادة، بينما بدت مواقف دول مجموعة ليما ،ككولومبيا والبرازيل وبيرو وشيلي أكثر تردداً وحذراً، خاصة في ظل خطورة سابقة إعلان اعتقال رئيس دولة دون توافق دولي أو أدلة دامغة.
في الخلفية، تتردد تقارير عن اتصالات بين مسؤولين أمريكيين وعناصر داخلية فنزويلية، ما يفتح الباب أمام فرضية الانشقاقات أو الدعم الداخلي، دون أن يرقى ذلك حتى الآن إلى مستوى الدليل القاطع.
كل ذلك يندرج ضمن سياسة "الضغط الأقصى” التي اعتمدها ترامب، والمبنية على مزيج من العقوبات الاقتصادية الخانقة، والحصار الدبلوماسي، والعمليات الأمنية المحدودة، مثل ضرب قوارب تهريب مخدرات أو مصادرة ناقلات نفط، وصولاً إلى رفع قيمة المكافآت المالية بحق قيادات النظام.
غير أن الانتقال من هذا الإطار إلى هجوم عسكري معلن، يعني تغييراً جذرياً في قواعد اللعبة، مع ما يحمله من تكاليف سياسية وأمنية باهظة، ومعارضة إقليمية، ومخاطر الانزلاق إلى فوضى ممتدة.
فنزويلا هنا ليست مجرد دولة مأزومة، بل ساحة صراع جيوسياسي مكثف تختبر حدود النظام الدولي نفسه.
هي حلبة تنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وإحياء عملي لمبدأ "مونرو” بصيغة القرن الحادي والعشرين، واختبار فاضح لفكرة السيادة الوطنية في زمن "الحرب الهجينة”. اقتصادياً، تشكل "لعنة النفط”، حيث يعتمد أكثر من 95% من دخل الصادرات على النفط؛ سلاحاً ذا حدين، يجعل العقوبات والضغوط الخارجية أكثر فتكاً. اجتماعياً، تتفاقم الانقسامات الحادة، مع نزوح وهجرة تجاوزت خمسة ملايين شخص، وأزمة شرعية مزدوجة مرشحة للتفجر بشكل أخطر إذا ما ترسخت رواية الاعتقال أو سقطت مؤسسات الدولة في فراغ السلطة.
المستقبل، في ضوء هذه التطورات، يتشعب نحو سيناريوهات أكثر حدّة. التصعيد العسكري المحدود يبدو ذا احتمال مرتفع، وقد يقود إلى حرب أهلية ذات أبعاد إقليمية وأزمة لاجئين واسعة.
الانتقال التفاوضي يظل ممكناً لكن بفرصة متوسطة، مشروطاً بتوافق دولي سريع ورعاية حكومة انتقالية تحظى بحد أدنى من الشرعية.
في المقابل، يبرز سيناريو الانهيار الداخلي أو التجميد الطويل للأزمة كخطر مرتفع، ينشر الفوضى وعدم الاستقرار، وربما يفتح الباب أمام دعوات لتدخل دولي أو قوات حفظ سلام.
في المحصلة، تكشف أزمة فنزويلا عن تحولات عميقة في طبيعة السيادة، وصعود أدوات "الحرب الهجينة” التي تمزج العقوبات بالضغط السياسي والدعم بالوكالة.
وهي تذكير قاسٍ بمحدودية القوة العسكرية حتى لدى القوى الكبرى، وبالحاجة إلى تنويع اقتصادي حقيقي لدى الدول الريعية، وبضرورة تحديث آليات النظام الدولي لإدارة الأزمات. فنزويلا اليوم مرآة لقطبية عالمية متعددة، ومختبر للاستراتيجيات المتصارعة، وإنذار مبكر لتآكل القانون الدولي، فيما يظل مستقبلها معلقاً بقدرتها الداخلية على الصمود، وبميزان قوى دولي قد يفضي إن أحسن إدارته، إلى حل تكاملي يحفظ كرامة الشعب الفنزويلي قبل أي شيء آخر.

























