د.حسن براري يكتب: نبوءة بورغ: كيف سقطت إسرائيل أخلاقيًا؟

{title}
نبأ الأردن -
كنت كبير باحثين في المعهد الأمريكي للسلام بواشنطن عندما زار المعهد أبراهام بورغ، أحد أبرز نجوم حزب العمل من الذين كان لهم مواقف قوية ضد توظيف الصهاينة للمحرقة، وسبق له وأن كان رئيسا للكنيست أيضا. والأهم ربما إن والده يوسيف بورغ كان رئيسًا لحزب المفدال - الحزب الديني الوطني الذي فرخ الكثير من التيارات المتطرفة من أمثال بن غفير الآن. مناسبة زيارته كانت للحديث عن كتاب له وكنت بين الحضور استمع بعناية، وقررت شراء الكتاب فورًا بعد أن تبين لي قيمة ما يحتويه. قرأت الكتاب في حينها، وأذكر أنني كتبت مقالا في ذلك الوقت عن أبرز أفكار المؤلف.
أعود إلى هذا الكتاب مرة أخرى بعد أن تحققت نبوءة ابراهام بورغ بأنه سيأتي يومًا لا يمكن لإسرائيل الاستمرار في إخراس العالم ودفعه للصمت على ما ترتكبه بحق الفلسطينيين.
في كتابه "الهولوكوست انتهى: يجب أن ننهض من رماده"، لا يقدم أبراهام بورغ شهادة عابرة أو نقدًا هامشيًا، بل يفتح من داخل البيت الصهيوني نافذة واسعة على واحدة من أكثر المسلمات الإسرائيلية قداسة: توظيف الهولوكوست بوصفه رخصة أخلاقية مفتوحة للدولة العبرية للتنكيل بأصحاب الأرض دون التعرض لنقد دولي. خطورة الكتاب لا تكمن فقط في مضمونه، بل في هوية صاحبه، فهو ليس أكاديميًا معارضًا من الخارج، بل أحد رموز النخبة الصهيونية، ورئيس سابق للكنيست، وابن المؤسسة التي صاغت السردية الرسمية لإسرائيل. ينطلق بورغ من فكرة مركزية جريئة: الهولوكوست تحول من مأساة إنسانية كونية إلى أداة أيديولوجية تستخدم لتبرير الاحتلال، والعنف، وإنكار حقوق الآخرين، وعلى رأسهم الفلسطينيون. وبدل أن يكون الهولوكوست حافزًا أخلاقيًا يمنع تكرار الظلم، جرى اختزاله في خطاب خوف دائم يقوم على تصوير اليهود كضحايا أبديين، ويحول إسرائيل إلى كيان فوق المساءلة. هنا ينسف بورغ الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه ادعاءات الصهيونية المعاصرة، لا من موقع الخصومة، بل من داخل التجربة نفسها.
الأهم أن الكتاب يكشف، بوعي مبكر، ملامح التحالف القائم اليوم بين اليمين القومي المتطرف واليمين الديني في إسرائيل. يحذر بورغ من أن الدولة، حين تعرّف نفسها بوصفها ضحية دائمة، تصبح عاجزة عن رؤية نفسها كجلاد. هذا العمى الأخلاقي هو ما مهد لصعود خطاب ديني قومي يرى في القوة فضيلة، وفي الإقصاء قدرًا إلهيًا، وفي الفلسطيني "خطرًا وجوديًا" لا إنسانًا ذا حقوق.
بهذا المعنى، لا يكتفي الكتاب بتفكيك الماضي، بل يضيء الحاضر بوضوح لافت. ما نشهده اليوم من سياسات استيطانية، وتشريعات عنصرية، وتبرير مفتوح للقتل الجماعي والإبادة، يجد جذوره الفكرية في ما حذر منه بورغ قبل سنوات: دولة تدار بالخوف، وتحصن نفسها بأسطورة أخلاقية زائفة، وتغلق الباب أمام أي نقد داخلي أو خارجي.
فضيحة إسرائيل الأخلاقية، كما يكشفها بورغ، ليست في قوتها العسكرية، بل في ادعائها الاحتكار الحصري للمعاناة. فحين تتحول ذكرى الضحية إلى أداة قمع، يفقد التاريخ معناه، وتسقط الدولة في اختبار الأخلاق. ولهذا تحديدًا، يعد هذا الكتاب وثيقة إدانة ثقيلة الوزن لأنه يثبت أن نقد إسرائيل ليس مؤامرة خارجية، بل حقيقة قالها أحد أبنائها، ومن قلب المشروع الصهيوني نفسه.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير