عبدالله بني عيسى يكتب : أين احتفل الاردنيون برأس السنة؟

{title}
نبأ الأردن -
سألني سائحٌ إيطالي، كان مبتهجاً بما يشاهده في الاردن الذي وصله للتو: أين يحتفل الناس هنا بليلة رأس السنة؟

أربكني السؤال. ليس لأن الإجابة صعبة، بل لأنها مكشوفة أكثر مما ينبغي. في الثقافة الرسمية الأردنية، لا مسارات واضحة للاحتفال بهذه الليلة، سوى تلك المحصورة خلف أبواب الفنادق والمطاعم المغلقة. أمّا الشارع، وخصوصاً الأسر والشباب، فيُترك بلا فضاءات عامة تعبّر عن هذه اللحظة العابرة من الفرح الإنساني.

قلت له، وكان لقاؤنا في وسط البلد ليلة رأس السنة، إن الاحتفال شأن ثقافي بالدرجة الأولى؛ فهناك من يراها ليلة عادية لا تختلف عمّا قبلها أو بعدها، وهناك من يحتفل على طريقته، كما أفعل أنا، بالمشي وسط الجموع، بمراقبة الوجوه، وبالتقاط نبض المدينة وهي تغيّر رقماً في التقويم. وآخرون، إن تيسّر لهم الأمر، يقصدون الفنادق والمقاهي.

لكن السؤال ظلّ يرافقني: لماذا لا نملك في الأردن أماكن مفتوحة للاحتفال؟
وسط البلد كان يعجّ بالناس: أكل، تسوّق، ضحك، مشي طويل بلا وجهة محددة. حضور الأمن العام كان كثيفاً ومطمئناً، وكأن المدينة تقول إن الفرح ممكن حين يُدار بحكمة. هذه الحشود لم تكن عبئاً، بل فرصة؛ فرصة لتنظيم ساحة مفتوحة، لاحتفال بسيط ومدروس، تشرف عليه أمانة عمّان أو وزارة السياحة، تتخلله أنشطة اقتصادية صغيرة، موسيقى خفيفة، ألعاب نارية، وبازارات تمنح الفرح معنى وحركة.

في السياق، رأيت مشاهد من إربد لآلاف الشباب يحتشدون في الشوارع في احتفال لم يخلُ من الفوضى. فوضى لا تعكس سوء نية، بل غياب التنظيم. وكان يمكن تجنبها لو وُجدت ساحات مخصصة، تحتضن الفرح بدل أن تتركه يتبدد في الأزقة.

ما أسعدني حقًا أن وسط البلد كان مكتظًا بالأجانب، وأن السيارات الخليجية حضرت بأعداد لافتة. العالم اليوم يصنع سياحة خاصة برأس السنة؛ مدن تتحول في ليلة واحدة إلى مقصد عالمي. وهذا لا يحتاج ميزانيات هائلة بقدر ما يحتاج قرارًا، ورؤية، وحسن إدارة.

لدينا في الأردن مواسم كثيرة نملك فيها ميزة تنافسية ولا نستثمرها: رأس السنة، الربيع، الأعياد الدينية والوطنية، وحتى سياحة المؤتمرات والمعارض التي نتجاهلها رغم أننا في قلب منطقة متعطشة لها.

من حق الشباب أن يفرحوا، ما دام الفرح سلمياً ومنضبطاً. ومن واجب الدولة أن تفتح لهم ساحات رسمية رحبة وآمنة. أمّا التقليل من قيمة الفرح، أو التعامل معه كخطر يجب كبحه، فذلك—لعمري—ليس حذراً ولا حكمة، بل سلوك عدمي لا يليق بالحياة.

عبدالله بني عيسى
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير