د. وليد العريض يكتب:حين تتحوّل الذاكرة إلى سلاح

{title}
نبأ الأردن -
قراءة فكرية نقدية في كتاب "الهولوكوست انتهى" على ضوء غزة
         ... 
 بداية:
ليست كلُّ ذاكرةٍ درسًا، ولا كلُّ استحضارٍ وفاءً. فثمة لحظة-يحذّر منها أبراهام بورغ-تنقلب فيها الذاكرة من شهادةٍ أخلاقية إلى أداة حكم، ومن عزاءٍ للضحايا إلى سلاحٍ سياسي يُدار به الحاضر. من هذه العتبة يبدأ كتاب الهولوكوست انتهى، لا بوصفه إنكارًا للمأساة، بل تفكيكًا لشروط استخدامها المستمر في السياسة والأمن والهوية.

بطاقة الكتاب:

صدر كتاب «الهولوكوست انتهى: يجب أن ننهض من رماده» للمفكّر والسياسي الإسرائيلي أبراهام بورغ عام 2008¹. كُتب بالعبرية أولًا ثم تُرجم إلى الإنجليزية ونُشر في الولايات المتحدة وأوروبا. يقع في نحو 240–260 صفحة بحسب الطبعات²، ويندرج ضمن الفكر السياسي والنقد الأخلاقي، جامعًا بين التأمل الفلسفي والخبرة المؤسسية والنقد الذاتي داخل التيار الصهيوني³. وقد كُتب في سياقٍ اتّسم بتصاعد العسكرة وتكثيف توظيف الهولوكوست في الخطاب الرسمي بعد الانتفاضة الثانية.
الذاكرة حين تُدار كعقيدة
لا يُنكر بورغ الهولوكوست ولا يهوّن من فاجعته، لكنه يرفض أن يبقى مرجعيةً حاكمة للسياسة إلى الأبد⁴. فالذاكرة—حين تُقدَّس بلا نقد—تفقد معناها الأخلاقي، وتتحوّل إلى عقيدة سياسية تبرّر الاستثناء الدائم والخوف المزمن⁵. هنا تتبدّى أطروحة الكتاب المركزية: المشكلة ليست في التذكّر، بل في تأبيد الخوف بوصفه أساسًا للهوية.
الخوف كأساس للهوية
يرى بورغ أن إسرائيل الحديثة صاغت هويتها على الخوف الوجودي أكثر مما صاغتها على القيم الإنسانية الجامعة⁶. مفارقةٌ لافتة: دولة تمتلك فائض القوة ومع ذلك تُدار بعقلية الحصار⁷. هذا الخوف المؤسَّس لا ينتج أمنًا، بل يوسّع دائرة العنف، لأن السياسة حين تُدار بالذاكرة الخائفة تُعطِّل العقل وتُطلق اليد.
قداسة الضحية وإغلاق باب النقد
يبلغ التحليل ذروته عند نقد تقديس الضحية. فحين تُرفع المعاناة إلى مقام العصمة، يُغلَق باب المساءلة ويُصنَّف النقد عداوة والاعتراض إنكارًا⁸. هكذا تُحتكر الأخلاق، وتُصادَر إنسانية الآخرين لأن الذاكرة لم تعد درسًا، بل صكّ براءة دائمًا.
غزة: اختبار أخلاقي للذاكرة
من هذه الزاوية يفتح الكتاب من حيث لا يصرّح-باب غزة. فحين تُقصف مدينة محاصَرة ويُقتل المدنيون ويُدمَّر العمران ثم يُقال للعالم: "نحن الضحية" ، يغدو السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا⁹. ليست المعضلة في الذاكرة ذاتها، بل في توظيفها لإسكات ذاكرة أخرى. هنا يتحقق تحذير بورغ الأخطر: أن الضحية التي لا تُراجع ذاكرتها قد تُنتج جلادًا جديدًا باسم الخوف والبقاء¹⁰.
اليهودية بين الأخلاق والقوة
يرفض بورغ اختزال اليهودية في قومية عسكرية ويدعو إلى استعادتها كقيمة أخلاقية وثقافية¹¹. كما يرفض احتكار الهولوكوست بوصفه ملكية قومية، مؤكدًا أنه جريمة ضد الإنسانية وأن قراءته قراءة كونية شرطٌ لبقاء معناه الأخلاقي¹².

نحو "دولة طبيعية" 
في خاتمة الكتاب
 يدعو بورغ إلى الدولة الطبيعية
: دولة مواطنين وقانون، لا دولة ذاكرة رعب؛ دولة لا تحتاج إلى الخوف لتبرير وجودها ولا إلى الماضي لإضفاء الشرعية على العنف¹³.
خاتمة
«الهولوكوست انتهى» ليس كتابًا ضد اليهود ولا دعوةً إلى النسيان، بل نقدٌ شجاع لتوظيف الألم. يذكّرنا بأن الذاكرة إن لم تُنقَد، تتحوّل من درسٍ أخلاقي إلى سلطة قمعية وأن الماضي-إذا لم يُحرَّر من الاستخدام السياسي-قد يُعاد إنتاجه على أرضٍ أخرى وبضحايا جدد¹⁴. وفي زمن غزة يكتسب هذا الكتاب راهنيته القصوى، لأنه يعيد السؤال إلى مكانه الصحيح: هل نتعلّم من التاريخ أم نستخدمه؟

                ... 
الهوامش والمراجع

1. Abraham Burg, The Holocaust Is Over; We Must Rise from Its Ashes, New York: Palgrave Macmillan, 2008.
2. تختلف عدد الصفحات باختلاف الطبعات العبرية والإنجليزية، وتتراوح بين 240 و260 صفحة.
3. يُعدّ الكتاب من أدبيات النقد الذاتي داخل الفكر الصهيوني، جامعًا بين التأمل الفكري والسيرة السياسية والنقد الأخلاقي.
4. Burg, The Holocaust Is Over, Introduction.
5. المرجع نفسه، الفصل الأول.
6. المرجع نفسه، الفصول الثاني والثالث.
7. المرجع نفسه، مواضع متعددة حول مفارقة فائض القوة والخوف المزمن.
8. المرجع نفسه، الفصل الرابع (نقد «قداسة الضحية»).
9. للمقارنة الأخلاقية بين الذاكرة والشرعية السياسية: Hannah Arendt, Eichmann in Jerusalem: A Report on the Banality of Evil, New York, 1963.
10. Burg, The Holocaust Is Over, الفصل الخامس (التحذير من التحوّل الأخلاقي).
11. المرجع نفسه، الفصل السادس (نقد اختزال اليهودية في القومية العسكرية).
12. المرجع نفسه، الفصل السابع (إنسانية الهولوكوست ورفض احتكاره).
13. المرجع نفسه، الفصل الأخير («الدولة الطبيعية»).
14. Paul Ricoeur, Memory, History, Forgetting, Chicago: University of Chicago Press, 2004.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير